فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 94

أن الحكم على ما لم يرد به نص من الشارع على حكمه يعتبر حكما على شيء لم يحكم الله عليه فهو يشبه تصرف الإنسان في ملك غيره وهو ممنوع لأن الذي يملك تشريع الأحكام إنما هو الله سبحانه وتعالى فإذا أبحنا ما لم يرد فيه نص فقد تصرفنا في ذلك الشرع بدون أذنه وهذا لا يجوز إذ الأصل في الأشياء الحظر وليس الإباحة [1] .

المذهب الثالث:

يرى أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة مطلقا حتى يرد الشارع مغيرا أو مقررا وإلى هذا ذهب جمهور المعتزلة وبعض الشافعية.

وقد استند هؤلاء على الأدلة النقلية التي تثبت إباحة ما لم يرد عن الشارع فيه حكم ما لم يكن ضارا بنفسه أو بغيره وهو أمر فطري تقبله العقول السليمة بحيث أنه يحظى لديها بالقبول [2] .

ولعل هذا المذهب موافق في شقه الأول للمذهب الأول وقريب منه بالنسبة للشق الثاني وهو جانب المضار وذلك لأنهم يقررون أن الإباحة مشروطة بكون الشيء غير ضار بنفسه أو بغيره وأن إباحته على هذا الحال أمر فطري لأن الانتفاع المترتب على الأشياء التي لم ينص على تحريمها إذا كان خاليا من المفسدة عادة فإن العقل يدعو إليه والشرع يؤيد هذا بقوله تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [3] .

ولهذا فالراجح:

أن الأصل في الأشياء النافعة هو الأذن والإباحة وأن الأصل في الأشياء الضارة هو المنع والحرمة وهذا ما تقرر في المذهب الأول الذي قال به الجمهور واختاره عامة العلماء كالقاضي ناصر الدين البيضاوي وفخر الدين الرازي وغيرهما [4] .

وقد استدل أصحاب هذا المذهب على الشق الأول وهو المنافع وأن حكمها هو الإباحة استدلوا بأدلة كثيرة.

منها:

قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) [5] .

(1) راجع: أصول الفقه د/ الطيب الخضري ص 89.

(2) راجع: نهاية السول 4/ 358 والإبهاج 3/ 137 وأصول الشيخ زهير 4/ 175.

(3) سورة الأنعام الآية: 32.

(4) راجع: المحصول ج 2 ق 3 ص 131.

(5) سورة البقرة الآية 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت