واستدل المذهب الثاني:
بما روى عن أم المؤمنين عائشة [1] -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبين على صلاته ما لم يتكلم" [2] .
وقد جاء في بدائع الصنائع: أن الحديث حجة على الشافعي في فصلين: في وجوب الوضوء بخروج النجس من غير السبيلين وفي جواز البناء عما سبق الحديث في الصلاة [3] .
وقد نوقش الاستدلال بهذا الحديث:
بأن ضعيف وذلك بسبب ما ضعفه به الإمام أحمد بن حنبل وغيره [4] ، هذا فضلا عن أن الأصل عدم النقض فيستصحب هذا الأصل.
واستدلوا كذلك:
بقوله -صلى الله عليه وسلم-:"الوضوء من كل دم سائل" [5] فهذا الحديث يدل على وجوب الوضوء من كل دم سائل جاوز مكانه وهو كسابقه فيه الدلالة على أن الخارج النجس من غير السبيلين ينقض الوضوء -غير أنهم قد قيدوا الإطلاق الوارد في الحديث الأول -هنا- باشتراط السيلان وتجاوز المكان [6] ، وحجتهم في ذلك أن الخروج إنما يتحقق بالسيلان إلى موضع يلحقه حكم التطهير [7] .
وأيدوا هذا بالحديث"ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا" [8] .
(1) هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس وقد تزوجها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي بنت ست وقيل سبع والراجح أنها كانت بنت تسع سنين حين دخل بها وتوفيت رحمها الله سنة 58 هـ راجع: تذكرة الحافظ 1/ 27 وطبقات ابن سعد 8/ 58 وشذرات الذهب 1/ 61.
(2) الحديث: رواه ابن ماجه والدار قطني وروي كذلك عن ابن جريح عن أبيه عنه -صلى الله عليه وسلم- مرسلا. راجع/ سنن ابن ماجه 1/ 185 ونيل الأوطار 1/ 222.
(3) راجع: بدائع الصنائع للكاساني /241.
(4) راجع: سبل السلام 1/ 101.
(5) الحديث: أخرجه الدار قطني من حديث تميم الداري راجع/ نيل الأوطار 1/ 222، 223.
(6) راجع: الهداية 1/ 27، 28.
(7) راجع: الأدلة المختلف فيها للأستاذ الدكتور/ محمد السعيد عبد ربه ص 28.
(8) الحديث: أخرجه الدار قطني من رواية تميم الداري وفي سنده مجهولان.
راجع: سنن الدار قطني 1/ 157، 158 كما أنه أخرج من رواية أبي هريرة وفي سنده ثلاث رجال قال عنهم ضعفاء.