للحكم, وانفراده عن الرأي الآخر بما توصل إليه ,وهذا من الأمور التي تميز بها فقه الإمام الشافعي ,حتى سمي فقه الأصول. وهذا مفيد في تعلم طرق الاستدلال والاستنباط, ليعرف كيف توصل للحكم الذي انتهى إليه.
وقد قرر ذلك الأئمة من قبل أن: من آداب طالب العلم الشرعي أن يسترشد بمن تقدمه سواء أكانوا أحياءً أم أمواتًا , ويقف على طرق استنباطهم ,وأدلتهم ويقول لكن بشرط أن: يستعمل فكره فيما يؤثرعنهم ,فإن وجده صحيحًا أخذ به , وإن وجده غير ذلك تركه ,وحينئذ يكون ممن قال الله فيهم: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [1] وهذا يجعل الاسترشاد بفكر المتقدمين ,والنظر فيه أمرًا ضروريًا؛ لتكوين ملكة فقهية لديه؛ لأن العلم حلقات متصلة ,والبدء فيه من فراغ غير مستطاع إن لم يكن مستحيلا. [2] وقد سار الأئمة كلهم على هذا المنهج (النظر في فقه السابقين) للاسترشاد والاستئناس به في تقرير الأحكام , فقد أثر عن الأئمة أن لهم أن يأخذوا بفتاوى الصحابة الفردية , ولهم أن يفتوا بخلافها , وهذا فيما يدرك بالرأي بخلاف ما ليس للرأي فيه مجال فهو في حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويجب الأخذ به عند الجمهور. [3]
ولقد اختلف الأئمة في اعتبار قول الصحابي حجة, وهل يعمل به كمصدر تشريعي أم لا؟ ثم إذا وصل الأمر إلى من بعدهم من التابعين جعلوا لهم الحق في الاجتهاد, كما اجتهدوا ,وهذا يعني أن: أقوال الأئمة من بعد الصحابة أي: من التابعين ,ومن بعدهم إلى يومنا ليس حجة ملزمة ,ولا يعد ذلك مصدرًا تشريعيًا, يجب العمل به, فكل شخص يؤخذ من كلامه ويرد إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - , ولكن يلزم معرفة آرائهم ,وكيف توصلوا إليها؛ لفهم طريقهم في البحث والاستنباط , ولهذا رأينا كثيرًا من الأئمة إن لم يكن كلهم يؤيدون فتواهم ,وآرائهم بأقوال الصحابة ,والتابعين ,ومن بعدهم , وهذا لا يخلو منه مرجع من مراجع الفقه المشهورة: كالأم ,والحاوي , والمغني والبدائع , وغيرها وقد أوجب الإمام الشافعي [4] على المجتهد أن: يعرف رأي من خالفه ,حتى يثبت أنه أدرك الحق فيما ذهب إليه ما دام لم يجد في كلام من خالفه ما يرده.
(1) - سورة الزمر آيتان 17, 18.
(2) - تجديد الفقه الإسلامي القسم الأول د/ الدسوقي ص 83.
(3) - الأحكام للآمدي ج 4 ص 201 - الموافقات للشاطبي ج 4 ص 74.
(4) -سبق ترجمته.