وأخبر الله تعالى أن الشيطان توعّد أن يضل بني آدم بحملهم على أمور منها تغيير خلق الله تعالى كما في قوله:"ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله". ولاشك أن في هذا ذمًّا لتغيير خلق الله تعالى. وقد تنوعت عبارات السلف في تفسير هذا التغيير على أقوال:
الأول: أنه تغيير دين الله الذي خلق الناس وفطرهم عليه.
الثاني: أنّ المراد به الخصاء.
الثالث: أنّه الوشم.
الرابع: أنّه عبادة الشمس والقمر والحجارة التي خلقها الله تعالى للاعتبار والانتفاع بها فغيرها الكفار وجعلوها معبودة. وليس بين هذه الأقوال تضارب ولا اختلاف، فإنّ من طريقة السلف في التفسير: التعبير عن المراد بالآية بذكر أحد أفراد المعنى، دون إرادة حصر المعنى فيه.
وعلى هذا فليس في الآية دليل على تحريم مجرد تغيير خلق الله تعالى، بل فيها بيان أن جميع ما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه فالشيطان يأمر به.
وبذلك لا يستدل بالآية على تحريم عملٍ، إلا بعد ثبوت أنّه محرم، ولا تتفرّد دليلًا على التحريم باستقلال.
ويدل على ذلك أن الشرع ورد بالأمر، أو الإذن بجملة من الأعمال التي فيها تغيير لخلق الله تعالى كالختان، وقطع يد السارق، وثقب أذن الأنثى، واتخاذ أنف بديل لما قطع، بل إن الكحل والخضاب بالحناء كلها من تغيير خلق الله تعالى، وهذا كله يصب في تقوية ما اختاره الطبري -رحمه الله- ويمنع عموم الاستدلال بالآية حتى يثبت تحريم الفعل أوّلًا ليندرج بعد ذلك في مدلوله [1] و عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: لَعَنَ اللهُ الواشِمَات والمُسْتَوْشِمَات والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات والمُتَفَلِّجَات للحُسْن المُغَيِّرات خَلْق الله [2]
وأما قوله (المتفلجات للحُسْن) (( فمعناه يفعلن ذلك طلبًا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس ) ) [3] .
(1) ... الضوابط الشرعيّة للعمليات التجميليّة ... د. هاني بن عبد الله الجبير
(2) أخرجه البخاري
(3) شرح النووي على مسلم: 14/ 107، فتح الباري: 10/ 372.