فأشبه أن يكون كالدين الحال على معسر أو مماطل, وهذا موافق للمشهور من مذهب الحنابلة في عدم وجوب الزكاة في الدين على المعسر والمماطل حالا أو مؤجلا.
(ب) كما هو ظاهر مما تقدم يعتبر كلامه في الدين الحالّ فإذا شئنا تعميمه فنقول: إنه لا يرى زكاة الدين مطلقًا كما هو مذهب الشافعي في القديم, فذلك أدق من النسبة إليه في المؤجل فحسب ما دمنا سنعتمد على هذه الفتوى في نسبة القول إليه.
(ج) نلاحظ أنه قال في الفتوى: «وأقرب الأقوال: قول من لا يوجب فيه شيئا بحال حتى يحول عليه الحول, أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه, وهذا وجه, وهذا قول أبي حنيفة, وهذا قول مالك» .
فقوله: «وهذا قول أبي حنيفة» معناه أن مذهب أبي حنيفة عدم وجوب زكاة الدين المؤجل, ولم أجد في مذهب الحنفية قولًا بذلك فضلًا عن أن يكون مذهبهم, ولذا فالمتوافق مع هذه النسبة للحنفية والمالكية أن يكون في صداق المرأة حين يكون دينًا لها سواء اعتبرناه حالًا أم مؤجلًا [1] ، وإن شئنا تعميمه فيكون في الدين على معسر فإن مذهب المالكية فيه زكاته لسنة واحدة, ولكن الحنفية يوجبون فيه الزكاة إلا أن يكون في بعض الصور كالدين المجحود ولا بينة ونحوه.
هذا ما استوقفني في شأن النسبة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية في زكاة الدين المؤجل, وأرى أنها بحاجة إلى مزيد من التحقيق, والله أعلم [2] .
(1) فقد اعتبر الحنفية المهر دينًا ضعيفًا لا تجب فيه الزكاة, انظر حاشية ابن عابدين (7/ 97) , نور الإيضاح (1/ 127) , وكذلك المالكية لم يوجبوا فيه الزكاة كما في الشرح الكبير للدردير (1/ 466) , إلا أنهم نصوّا على عدم الزكاة وليس زكاة سنة واحدة.
(2) واجهني أثناء رسالتي الدكتوراه في اختيارات ابن تيمية (من كتاب العارية إلى نهاية كتاب النكاح) مثل هذه الحالة حيث أجد له اختيارًا ولا أجد له نصًا فذكرت ذلك في المقدمة ص 13 وقلت: إن كثيرًا من هذه المسائل لم أجد له فيها كلامًا؛ بل إنما نسب إليه ذلك القول والاختيار في كتب الحنابلة وخاصة الإنصاف، وقد يعتري النسبة - من حيث الاحتمال - شيء من الوهم أو الخلل في الفهم، بحيث يُظن أنه يرجح ذلك القول وهو لم يرجحه، أو غاية ما فيه أن يميل إليه من غير ترجيح صريح, وما قلته إنما هو على سبيل الاعتذار للشيخ في بعض الاختيارات المشار إليها - في نظري - لورود هذا الاحتمال؛ ولكن ذلك لا يقال على سبيل التشكيك بما نسب إليه، بل إن الأصل صحة تلك النسبة كما جاءت.