المبحث الثاني
المذاهب الفقهية في زكاة الديون
المذاهب في زكاة الدين:
اختلفت المذاهب الفقهية في زكاة الدين اختلافا بينا وصل حد التعارض والتضاد التام أو الناقص, وما ذاك إلا النظر في أصول وقواعد المذاهب واجتهادات الفقهاء, مع قلة النصوص الثابتة, واحتمالات دلالات ألفاظها مختلفة, وفي هذا كله السعة واليسر للأخذ بالأوفق للناس وتحقيق مصالحهم الشرعية باختلاف زمانهم ومكانهم.
وقد أجمل الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام الاتجاهات الفقهية في زكاة الدين إن كان من تجارة أو من غير تجارة في خمسة أوجه [1] :
فأحدها: أن تعجل زكاة الدين مع المال الحاضر, إذا كان على الأملياء.
والثاني: أن تؤخر زكاته إذا كان غير مرجو حتى يقبض ثم يزكى بعد القبض، لما مضى من السنين.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة ويحتمل مذهب الحنفية أيضًا ويؤيده ما ذكره أبو عبيد بعد أن ذكر المذاهب. قال: وأما سفيان وأهل العراق فإنهم يرون الزكاة واجبة إذا قبضه لما مضي من السنين إذا كان الدين في موضع الملاءة والثقة, فإن كان الدين ليس بمرجو كالغريم يجحده صاحبه ما عليه, أو يضيع المال, فلا يصل إليه ربه, ولا يعرف مكانه ثم يرجع إليه ماله بعد ذلك فجملة قول أهل العراق: أنه لا زكاة عليه فيه لشيء مما مضي من السنين, ولا زكاة سنته أيضًا وهذا عندهم كالمال المستفاد يستأنف به صاحبه الحول, وهذا ما ذكره ابن عابدين في الدين إذا جحده المديون سنين ولا بينة له عليه, ثم صارت له بأن أقر بعدها عند قوم, ثم وصل إليه
(1) الأموال للإمام أبي عبيد القسم بن سلام (292) تحقيق محمد خليل هراس - الناشر مكتبة الكليات الأزهرية - الطبعة الأولى - 1388 - 1968 م.