قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه فيقول الله تبارك و تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة و ابلغ من هذا قوله تعالى و من يعص الله و رسوله فان له نار جهنم خالدا فيها أبدا فهذا وعيد مقيد بالخلود و التأبيد مع انقطاعه قطعا بسبب العبد و هو التوحيد فكذلك الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة و غلبت رحمته غضبه فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته كما في صحيح البخاري عنه خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة و قال في آخره فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم يياس من الجنة و لو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار الوجه الثالث و العشرون انه لو جاء الخبر منه سبحانه و تعالى صريحا بان عذاب النار لا انتهاء له و انه ابدي لا انقطاع له لكان ذلك وعيدا منه سبحانه و تعالى و الله تعالى لا يخلف وعده و أما الوعيد فمذهب اهل السنة كلهم إن إخلافه كرم و عفو و تجاوز يمدح الحرب تبارك و تعالى به و يثنى عليه به فانه حق له إن شاء تركه و إن شاء استوفاه و الكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الاكرمين و قد صرح سبحانه و تعالى في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده و لم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده و قد روى أبو يعلى الموصلي ثنا هدبة بن خالد حدثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت البنائي عن انس بن مالك رضي الله عنه إن رسول الله قال من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه و من واعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار و قال أبو الشيخ الاصبهاني ثنا محمد بن حمزة ثنا احمد بن الخليل ثنا الأصمعي قال جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو يخلف الله ما وعده قال لا قال افرايت من اوعده الله على عمله عقابا أيخلف الله وعده عليه فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا و لا خلفا إن تعد شرا ثم لا تفعله ترى ذلك كرما و فضلا و إنما الخلف إن تعد خيرا ثم لا تفعله قال فاوجدني هذا في كلام العرب قال نعم أما سمعت إلى قول الأول
و لا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي ... و لا اختشي من صولة المتهدد ...
و إني و إن اوعدته أو وعدته ... لمخلف ايعادي و منجز موعدي ... قال أبو الشيخ و قال يحيى بن معاذ الوعد و الوعيد حق فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوا كذا و إن يعطيهم كذا و من أولى بالوفاء من الله و الوعيد