حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فان شاء عفا و إن شاء اخذ لان حقه و أولاهما بربنا تبارك و تعالى العفو و الكرم انه غفور رحيم و مما يدل على ذلك و يؤيده خبر كعب بن زهير حين اوعده رسول الله فقال
نبئت إن رسول الله اوعدني ... و العفو عند رسول الله مأمول ...
فإذا كان هذا في وعيد مطلق فكيف بوعيد مقرون باستثناء معقب بقوله إن ربك فعال لما يريد و هذا أخبار منه انه يفعل ما يريد عقيب قوله إلا ما شاء ربك فهو عائد اليه ولا بد ولا يجوز ان يرجع الى المستثنى منه وحده بل اما ان يختص بالمستثنى او يعود اليهما وغير خاف ان تعلقه بقوله الا ما شاء ربك أولى من تعلقه بقوله خالدين بخالدين فيها و ذلك ظاهر للمتأمل و هو الذي فهمه الصحابة فقالوا أتت هذه الآية في وعيد القران و لم يريدوا بذلك الاستثناء وحده فان الاستثناء مذكور في الأنعام أيضا و إنما أرادوا انه عقب الاستثناء بقوله إن ربك فعال لما يريد و هذا التعقيب نظير قوله في الأنعام خالدين فيها إلا ما شاء ربك إن ربك حكيم عليم فاخبر إن عذابهم في جميع الأوقات و رفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه و حكمته لا عن مشيئة مجردة عن الحكمة و المصلحة و الرحمة و العدل اذ يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك الوجه الرابع و العشرون إن جانب الرحمة اغلب في هذه الدار من الباطلة الفانية الزائلة عن قرب من جانب العقوبة و الغضب و لولا ذلك لما عمرت و لا قام لها وجود كما قال تعالى و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا بظلمهم ما ترك عليها من دابة و قال و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فلولا سعة رحمته و مغفرته و عفوه لما قام العالم و مع هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه الدار وانزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من الرحمة فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار و نالت البر و الفاجر و المؤمن و الكافر مع قيام مقتضى العقوبة به و مباشرته له و تمكنه من إغضاب ربه و السعي في مساخطته فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة على ما في هذه الدار تسعة و تسعين ضعفا و قد اخذ العذاب من الكفار مأخذه و انكسرت تلك النفوس و نهكها العذاب و أذاب منها خبثا و شرا لم يكن يحول بينها و بين رحمته لها في الدنيا بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة و الغضب بها فكيف إذا زال مقتضى الغضب و العقوبة و قوى جانب