الصفحة 12 من 98

والحقيقة أن وراء كل هذه الموبقات الحسّيّة داءً نفسيًّا عَلِمه مَن عَلِمه، وجَهِله مَن جَهِله. ومن ثَمَّ اهتمّتْ الدعوة من أول يوم بتخليص النفوس من شوائبها الدنيوية، وجعلها لله قبل كل شيء، وقطع أطماع النفس عن كل مغنم أو مظهر دنيوي لا يغني عند الله شيئا، واتّجهت إلى الربانية بكل قوتها، وعَبَّأت لها الأفكار والمشاعر، كما هيّأت لها المناخ والرسائل.

كان هذا الجانب الإيماني أو الرباني يحتلّ في مناهج التربية الإخوانية مساحة واسعة، وينال اهتماما بالغا، فالدعوة دعوة ربانية قبل كل شيء، والدعوات الربانية إنما توجه وجهها إلى الله وحده، وتجعل رضاه غاية المراد:

إذا صح منك الودّ فالكل هيّن ÷ وكل الذي فوق التراب تراب

والله - تعالى - لا ينظر إلى الصور، ولكن إلى القلوب، ولا يجازي بحجم العمل الظاهر، ولكن بالإخلاص الذي وراءه. فالله - تعالى - لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه. وهو أغنى الأغنياء عن الشرك، والرياء هو الشرك الخفي، فهو - سبحانه - لا يحب العمل المشترك، ولا القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] . ولا غرو أن جعلتْ شعارَها:"الله أكبر ولله الحمد"، وجعلتْ أول هتافاتها التي تلقنها لأتباعها وتغرس بها في عقولهم وعواطفهم أهدافها ومفاهيمها الكبرى: الله غايتنا.

وفي رسالة التعاليم يجعل الشهيد البنا الركن الثاني من أركان"البيعة"بعد"الفهم"المنشود للإسلام في حدود:"الأصول العشرين"المشهورة هو:"الإخلاص"ويفسر الإخلاص بقوله:"أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده وجه الله - تعالى - وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو تعب أو تقدم أو تأخر، وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت