الصفحة 11 من 98

وأول ما يجب وقاية القلب منه، وإعطاؤه المصل الواقي من شرّه، هو: حب الدنيا، فهو رأس كل خطيئة، وأصل كل داء، والمصل الواقي منه هو اليقين بالآخرة، وتذكر مثوبة الله، والموازنة بين تفاهة ما عندنا وعظمة ما عند الله - إن جازت الموازنة بين الفاني والباقي: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] .

وحسب المؤمن أن يقرأ هذه الموازنة أو المفاضلة صريحة واضحة في كتاب ربه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 14 - 15] .

وهناك وراء هذه الشهوات المادية - شهوات البطون والفروج، وحب المال والبنين - ما هو أشد خطرا وهو شهوات القلوب، وأهواء النفوس، والهوى شرّ إِلَهٍ عُبِد في الأرض: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] .

شهوة الجاه وحب السيطرة، والتأله على خلق الله، وابتغاء الشُّهرة والمحمدة، والسعي وراء تصفيق العامة، أو تملّق الخاصة، وما إلى ذلك هي الوباء القتّال الذي يصيب القلوب فيعميها ويصمّها، أو يوبقها ويقتلها. وهي التي سمّاها الإمام الغزالي في إحيائه:"المهلكات"، اهتداءً بالحديث النبوي الذي قال: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٍ: شُحٌّ مُطَاعٍ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» (1) .

ومن المؤسف أن كثيرين لم يلتفتوا إلى هذه المهلكات المعنوية للأفراد والجماعات، ووجّهوا كل اهتمامهم إلى المهلكات الظاهرة من السرقة والزنا وشرب الخمر، وهي من الموبقات قطعا، ولكنها أقل ضررا، وأيسر خطرا.

(1) م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت