ولست أكتب هذه الصحائف مؤرخا لحركة الإخوان، ومبلغ تأثيرها في الحياة المصرية، والعربية، والإسلامية، فهذا جهد ينوء به فرد مهما تكن قدرته ووسائله، وإنما هو واجب الجماعة الذي فرّطت فيه حتى اليوم، وإن كانت الضربات المتلاحقة التي أصابت الجماعة في كل العهود، تجعل لها بعض العذر، لا كله.
إنما أكتب هنا عن جانب واحد من جوانب هذه الحركة الضخمة، وهو: جانب التربية، كما فهمه الإخوان من الإسلام، وكما طبّقوه.
ولستُ أحاول هنا الاستقصاء والإحاطة، وإنما أكتفي بإبراز المعالم، وإعطاء الملامح، التي تكفي لإيضاح فكرة الجماعة عن التربية وجهودها في ممارستها، ونقلها إلى واقع حيّ يتمثل في بَشَر أحياء.
ولا يخفى على دارس أو مراقب أن حركة الإخوان تمثل - في الدرجة الأولى - مدرسة نموذجية ناجحة للتربية الإسلامية الحقة، وأن أهم ما حققتْه هو تكوين جيل مسلم جديد، يفهم الإسلام فهما صحيحا، ويؤمن به إيمانا عميقا، ويعمل به في نفسه، وأهله، ويجاهد لإعلاء كلمته، وتحكيم شريعته، وتوحيد أمته.
وقد ساعد على هذا النجاح جملة عوامل:
1 -إيمان لا يتزعزع بأن التربية هي الوسيلة الفذّة لتغيير المجتمع، وبناء الرجال، وتحقيق الآمال. وكان إمام الجماعة الشهيد البنا يعلم أن طريق التربية بعيدة الشقة، طويلة المراحل، كثيرة المشاق، ولا يصبر على طولها ومتاعبها إلا القليل من الناس، من أولي العزم، ولكنه كان يعلم كذلك علم اليقين، أنها وحدها الطريق الموصلة، لا طريق غيرها، فلا بديل لها، ولا غِنًى عنها. وهي الطريق التي سلكها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فَكَوَّن بها الجيل الرباني النموذجي الذي لم تَرَ عين الدنيا مثله، والذي تولى بعد ذلك تربية الشعوب وقيادتها إلى الحق والخير.
2 -منهاج للتربية محدد الأهداف، واضح الخطوات، معلوم المصادر، متكامل الجوانب، متنوّع الأساليب، قائم على فلسفة بيّنة المفاهيم، مستمدّة من الإسلام دون سواه.