وزاد حسن البنا على ذلك، فَطَالَب الإخوانَ - خاصة - والمسلمين عامة في وادي النيل بأن يقنتوا في الركعة الأخيرة من كل صلاة، وبخاصة الصلوات الجهرية، وبعد القيام من الركوع:"قنوت النوازل"بأن يدعوا الله عندما تشتدّ الأزمات عليهم أن يفرّج الله عنهم الكُرْبَة، ويكشف الغُمّة، اقتداءًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حينما كان يدعو في صلواته على المشركين المعتدين، وللمسلمين المستضعفين، وليس هناك أزمة أشد من فَقْد الحرية والاستقلال وتحكم الكافر في رقبة المسلم، مع أن الله - تعالى - يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .
وقد وضع الإمام البنا صيغةً للدعاء في هذه القنوت يدعو بها وبمثلها المصلّون، لا زلتُ أحفظها من كثرة ما دعوتُ به في الصلاة على رغم مرور ثلث قرن من الزمان:"اَللَّهُمَّ رَبَّ الْعَالَمِيْنَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ، وَمُذِلَّ الْمُتَكَبِّرِيْنَ، وَقَاصِمَ الْجَبَّارِيْنَ، تَقَبَّلْ دُعَاءَنَا، وَأَجِبْ نِدَاءَنَا، اَللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْعَاصِبِيْنَ مِنَ الْإِنْجِلِيْزِ قَدْ احْتَلُّوْا أَرْضَنَا، وَغَصَبُوْا حَقَّنَا .. وَطَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوْا فِيْهَا الْفَسَادَ .. اَللَّهُمَّ فَرُدَّ عَنَّا كَيْدَهُمْ، وَفُلَّ حَدُّهُمْ، وَأَذِلَّ دَوْلَتَهُمْ، وَأَذْهِبْ عَنْ أَرْضِكَ سُلْطَانَهُمْ، وَخُذْهُمْ وَمَنْ وَادَهُمْ، أَوْ عَاوَنَهُمْ، أَوْ نَاصَرَهُمْ أَخْذَ عَزِيْزٍ مُقْتَدِرٍ .. اَللَّهُمَّ وَلَا تَدَعْ لَهُمْ سَبِيْلًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِيْنَ".
وبهذا، لم تَعُد القضية الوطنية شيئا في حاشية شعور الأخ المسلم، أو على هامش حياته، بل إنها حاضرة في وعيه وحسّه، تصاحبه في بيته ومسجده، وخلوته وجلوته، وتحيا في أعماق كيانه واضحة حيّة ملتهبة.
ولهذا، لم يكن الإنجليز يخافون شيئا كما يخافون من هؤلاء"المتعصبين"لدينهم، ويخشون أن يتحوّل الشعور الوطني إلى شعور إسلامي متأجج لا يعبأ بشيء في سبيل غايته، ولا يبالي: أَوَقَعَ على الموت أم وَقَع الموتُ عليه.