ولا ريب أن تكون هذه المواقف العقائدية للحركة الإسلامية ومؤسسها وراء مؤامرات الكيد لها عند الحكومات الوطنية العلمانية، كما أثبت ذلك اجتماع سفراء إنجلترا، وأمريكا، وفرنسا في قاعدة:"فايد"العسكرية بمنطقة"القناة"سنة 1948 الذي طَالَب حكومة النقراشي باشا رئيس الحزب السعدي المصري بحلّ جماعة الإخوان المسلمين، وكان ما كان.
كانت هذه بعض ملامح من تربية الإخوان فيما يتعلق بوطنهم الصغير: وادي النيل، ولم يشغلهم ذلك عن الاهتمام بقضايا وطنهم العربي الكبير، ووطنهم الإسلامي الأكبر، وأولى هذه القضايا بغير شك كانت قضية أرض النبوات، ومهد الرسالات، أرض أُولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين: قضية فلسطين، التي عُنِي بها الإخوان في وقت مبكر، ونوّهوا بشأنها ونبّهوا على خطرها، وأصدروا من أجلها بيانات ونشرات، وأعدادا خاصة من مجلتهم، وعقدوا الندوات والمؤتمرات في سبيلها، وطالما انتهزوا فرصة ذكرى"وعد بلفور"في الثاني من نوفمبر من كل عام، لإخراج المسيرات، وتسيير المظاهرات، توعية للرأي العام، وإيقاظا للشعور بأهمية القضية، ومَن قرأ مجلات الإخوان القديمة"في الثلاثينات"رأى من ذلك العَجب العُجاب.
كانت الرؤية واضحة لدى كل أخ مسلم بقضية فلسطين، وكان إحساسه بها حيًّا دافقا، في الوقت الذي كان جمهور الناس في مصر لا يشعرون بأهمية هذه القضية، ولا بخطر اليهودية الطامعة المتوثبة بجوارهم، حتى قال رئيس حكومة مصرية يوما وقد سُئل عن رأيه في ذلك: أنا رئيس وزراء مصر، لا رئيس وزراء فلسطين!
وكانت خُطب الإمام الشهيد ومحاضراته عن فلسطين، ومقالاته النارية في مجلات الإخوان وصحيفتهم اليومية، مثل: صناعة الموت .. وفن الموت .. وهبي يا رياح الجنة .. وغيرها، تهيّئ الأنفس ليوم آت لا ريب فيه، فلما جاء هذا اليوم، ونادى المنادي: أنْ حيّ على الجهاد، آتت هذه التربية والتوعية أكلها،