يقول الإمام الشهيد في رسالته:"إلى الشباب":"نريد (الحكومة المسلمة) التي تقود الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدي الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أبي بكر، وعمر من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام، ولا يُستمدّ منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداءء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها .. وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام".
وفي"رسالة المؤتمر الخامس"يعرض لهذه النقطة بمزيد من الإيضاح والبيان، فيجيب عن تساؤلات الناس عن"موقف الإخوان من الحكم"، فيقول:
"ويتساءل فريق آخر من الناس: هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم إلى ذلك؟ ولا أدع هؤلاء المتسائلين أيضًا في حيرة، ولا نبخل عليهم بالجواب."
الإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدي الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث - رضي الله عنه: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (1) .
وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم عروة من عرى الإسلام (2) . والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر. والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فان النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد، ونفخة في رماد كما يقولون.
(1) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ، (2/ 224) فقال: «أخبرنا أبو بكر البرقاني، أخبرنا أحمد بن الحسين الهمذاني أبو حامد، حدثنا أحمد بن الحارث بن محمد بن عبد الكريم، حدثنا جدي محمد، حدثنا الهيثم ابن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمر بن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن» ، وذكر آخرون أنه لأمير المؤمنين عثمان وهم الأعم الأغلب كابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ، (3/ 18) ، وابن كثير في «البداية والنهاية» ، (2/ 12) ، وذهب آخرون إلى نسبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالماوردي في «أدب الدنيا والدين» ، ص (163) ، وعزاه أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني في «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» ، (1/ 477) إلى الحسن بن أبي الحسن البصري.
(2) يشير - رضي الله عنه - للحديث الذي أخرجه أحمد في «بَاقِي مُسْنَدِ الأَنْصَارِ» ، ح (21139) ، والحاكم في «المستدرك» ، ح (7122) ، ولفظه كما عند أحمد: «لَيُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ» ، وقال الحاكم: «عبد العزيز هذا هو: ابن عبيد الله بن حمزة ابن صهيب، وإسماعيل هو: ابن عبيد الله بن المهاجر، والإسناد كله صحيح ولم يخرجاه» ، وقد صححه الألباني في «صحيح الجامع» ، ح (5075) .