"إن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها أن يعمل كل إنسان لخير بلده، وأن يتفانى في خدمته، وأن يقدم أكبر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها، وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحمًا وجوارًا حتى أنه لم يجز أن تنقل الزكوات أبعد من مسافة القصر - إلا لضرورة - إيثارًا للأقربين بالمعروف، فكل مسلم مفروض عليه أن يسد الثغرة التي هو عليها، وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه، ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية، وأعظمهم نفعًا لمواطنيه؛ لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين، وكان الإخوان المسلمون أشد الناس حرصًا على خير وطنهم، وتفانيًا في خدمة قومهم، وهم يتمنون لهذه البلاد العزيزة المجيدة كل عزة ومجد، وكل تقدم ورقي، وكل فلاح ونجاح، وبخاصة وقد انتهت إليها رياسة الأمم الإسلامية بحكم ظروف كثيرة تضافرت على هذا الوضع الكريم ..".
"ثم إن هذا الإسلام الحنيف نشأ عربيًّا، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسان عربي مبين، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين، وقد جاء في الأثر: «إذا ذل العرب ذل الإسلام» (1) ، وقد تحقق هذا المعنى حين دال سلطان العرب السياسي وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم (2) ومن إليهم، فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه."
وأحب هنا أن ننبه إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة، كما عرفها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه: «ألا إن العربية اللسان، ألا إن العربية اللسان» (3) .
ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه لإعادة مجد الإسلام (4) وإقامة دولته وإعزاز سلطانه، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية.
بقي علينا أن نحدد موقفنا من الوحدة الإسلامية، والحق أن الإسلام كما هو عقيدة وعبادة هو وطن وجنسية، وأنه قضى على الفوارق النسبية بين الناس، فالله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، والنبي - صلى الله عليه وسلم -
(1) ر
(2) هم الشعوب الذين يسكنون الجنوب الغربي من شاطئ بحر الخزر (قزوين حاليًا) ، ولم يكونوا من العنصر الفارسي.
(3) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ، (24/ 225) ، فقال: أخبرنا أبو الفرج قوام بن زيد بن عيسى وأبو القاسم بن السمرقندي قالا: أنا أحمد بن محمد بن النقور، قالوا: أنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد الحربي السكري، ثنا أحمد بن الحسن بن هارون، نا العلاء بن سالم، نا قرة بن عيسى الواسطي، نا أبو بكر الهذلي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي، فقال: هؤلاء الأوس والخزرج قاموا بنصرة هذا الرجل، فما بال هؤلاء؟ قال: فقام معاذ، فأخذ بتلبيبه حتى أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بمقالته، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغضبًا يجر رداءه حتى دخل المسجد، ثم نودي الصلاة جامعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أيها الناس، إن الرب رب واحد، وإن الأب أب واحد، وإن الدين دين واحد، ألا وإن العربية ليست لكم بأب ولا أم، إنما هي لسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي» ، فقال معاذ وهو آخذ بتلبيبه: يا رسول الله، ما تقول في هذا المنافق؟ فقال: «دعه إلى النار» ، قال: فكان فيمن ارتد، فقتل في الردة. وقال: «هذا حديث مرسل، وهو مع إرساله غريب، تفرد به أبو بكر سلمى بن عبد الله الهذلي البصري، ولم يروه عنه إلا قرة» . وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» ، (1/ 359) : «هذا الحديث ضعيف، وكأنه مركب على مالك، لكن معناه ليس ببعيد، بل هو صحيح من بعض الوجوه» ، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» ، ح (926) : «ضعيف جدًّا» .
(4) في الأصل: «الأحياء» .