الصفحة 68 من 98

على إساءات الآخرين. ولهذا وصف الله المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] ، {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] .

ووصف عباد الرحمن بقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] ، {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] .

وفي الحديث: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيْ» (1) وقد اعتبر علماء السنة هذا الحديث أحدَ أحاديثَ أربعةٍ يقوم عليها بناء الإسلام.

ويكره الإسلام للمسلم أن يصرف أصغرَيْه - قلبه ولسانه - إلى السب واللعن للناس أو للأشياء، فليس المسلم سبّابًا ولا لعَّانًا. ولهذا جاءت جملة أحاديث وفيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها تقول: «لَا تَسُبُّوا» ، منها: «لَا تَسُبُّوا الْمَوْتَى، فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوْا» ، «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ» ، «لَا تَسُبُّوا الرِّيْحَ، فَإِنَّهَا مَأْمُوْرَةٌ» ، «لَا تَسُبُّوْا الْحُمَّى، فَإِنَّهَا كَفَّارَةُ الْخَطَايَا» ، «لَا تَسُبُّوا الدِّيْكَ، فَإِنَّهُ يُوْقِظُ لِلصَّلَاةِ» .

وأعجب من ذلك، النهي عن سبّ الشيطان ذاته، مع ثبوت عداوته للإنسان وطرده من رحمة الله مذموما مدحورا. روى النسائي والطبراني والحاكم عن بعض الصحابة قَالَ: كُنْتُ رَدِيْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَثَرَ بَعِيْرُنَا، فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ! فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَقُلْ: تَعِسَ الشّيْطَانُ، فَإِنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَصِيْرَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُوْلُ: بِقُوَّتِيْ! - أي: صَرَعْتُهُ بِقُوَّتِيْ - وَلَكِنْ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَصْغُرُ حَتَّى يَصِيْرَ مِثْلَ الذُّبَابِ» !

إن سب الشيطان عمل سلبي لا يؤذي الشيطان نفسه، بل يسرّه ويُرضي غرورَه، وإنما يؤذي الشيطانَ ويغيظه أن يتجه الإنسان إلى عمل إيجابي، كأن يذكر الله - تعالى - ويقول: «بِاسْمِ اللهِ» ، فهذا يجعله يتضاءل ويصغر حتى يغدو كالذباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت