الصفحة 84 من 98

وموقفه هنا يشبه إلى حدّ كبير موقف شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، فقد استفادوا من التصوف - علما وعملا وتعليما - وكَتَبَا في ذلك رسائل وكُتُبًا عديدة، منها لابن تيمية مجلدان في فتاويه: أحدهما: تحت عنوان:"التصوف"، والثاني تحت عنوان:"السلوك".

أما ابن القيم، فله مؤلفات عدّة، منها:"الداء والدواء"، و"طريق الهجرتين"، و"عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين".

وأعظمها، كتابه الجليل:"مدارج السالكين، شرح منازل السائرين إلى مقامات إياك نعبد وإياك نستعين".

و"المنازل"رسالة موجزة مكثّفة لشيخ الإسلام إسماعيل الهروي الحنبلي، ولكنه طالما خالفه فيما ذهب إليه فيها، قائلا:"شيخ الإسلام حبيب إلينا، ولكن الحق، أحب إلينا منه".

وكان ابن تيمية وتلميذه من كبار الربانيين، أرباب القلوب الحيّة، والنفوس الزاكية، والأرواح الموصولة بالملأ الأعلى، حتى حكى ابن القيم عن شيخه أنه قال: إنه لتمرّ عليّ أوقاتٌ أقول فيها: لو كان أهل الجنة على مثل ما أنا فيه، لكانوا في حال طيّبة!

ولما حبسوه في القلعة، لم يُوْهِن ذلك من عزمه، ولم يُضْعِف من أنسه بمولاه، وقال في ذلك: إنما المحبوس مَن حُبِس قلبُه عن ربّه، والمأسور من أسره هواه.

وقال: ماذا يصنع بي أعدائي؟ إن سجنوني، فسجني خلوة، وإن نَفَوْنِي، فَنَفِيِي سياحة، وإن قتلوني، فقتلي شهادة!

ويبدو لي من تتبّع حياة حسن البنا ومراحل تفكيره ودعوته: أنه بدأ أقرب إلى الصوفية، وانتهى أقرب إلى السلفية، ولكنه لم يُقِم يوما بينهما حربا، بل طَعَّمَ صرامة السلفية، بروحانية التصوف، وضَبَط مواجيد التصوّف بالْتِزَام السلفية، وكان ذلك هو الطابع الغالب على أتباعه، إلا ما ندر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت