إيمان الصحابة وَمَن تبعهم بإحسان من سَلَف الأمة الذين شمل إيمانهم اعتقاد القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح وصبغ إيمانهم حياتهم كلها في المسجد وفي البيت وفي المجتمع، في الخلوة والجلوة، وفي الليل والنهار، في العمل للدنيا وفي العمل للآخرة. امتاز الإيمان في تربية الإخوان بهذا الامتداد وبهذا العمق، وامتاز كذلك بحيويته النابضة، وقوته الدافعة، وحركته الفعّالة، إنه شعلة تتأجّج، وتيار يتدفّق، ونور يضيء، ونار تحرق.
وعماد التربية الربانية هو القلب الحيّ الموصول بالله - تبارك وتعالى - الموقن بلقائه وحسابه، الراجي لرحمته، الخائف من عقابه، فحقيقة الإنسان ليست في هيكله المادي والأجهزة والخلايا والعظام والعضلات، إنما هي في تلك اللطيفة الربانية التي تسكن هذا الهيكل، وتحركه وتأمره وتنهاه، إنها «المضغة التي إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . القلب أو الروح أو الفؤاد - سَمِّه ما شئت - هو ذلك الكائن الواعي الذي يصل الإنسان بأعماق الحياة، وأسرار الوجود، وينتقل به من الأرض إلى السماء، ومن الكون إلى المكوّن، ومن عَالَم الفناء إلى عالَم الخلود.
القلب الحيّ هو موضع نظر الله - تعالى - ومهبط تجلّيّاته وأنواره: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوْبِكُمْ» (1) ، وهو المستند الوحيد الذي يقدّمه العبد لربّه يوم القيامة وسيلة للنجاة: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89] ، وبدون هذا القلب العامر بالإيمان، المشرق باليقين، يكون الإنسان ميّتا وإن عدّه الإحصاء في الأحياء: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] .
من أجل هذا، عمدت التربية الإخوانية إلى إحياء القلوب حتى لا يموت، وعمارتها حتى لا تخرب، وترقيقها حتى لا نقسو، فإن قسوة القلب وجمود
(1) م