ولم يمنع القبض على هؤلاء أن يظهر غيرهم من بعدهم، فلم يكن سائغا بحال في منطق الإخوان أن يتخلى الأخ عن أولاد أخيه في محنته، وليكن ما يكون ..
ولقد رأتْ زنازين السجن من معاني التعاون والإيثار ما تضيق به الصفحات، فقد كانت الأطعمة والملابس - بعد فترة البحيحة - تأتي لبعض الموسرين، فتوزع على مَن معه ومَن حوله. وقد يناله منها شيء كأحدهم، وقد لا ينال.
ولا يعرف قيمة هذه الروح، ونعمة هذه الأخوة، إلا مَن عرف كيف يعيش غير الإخوان في سجونهم.
أذكر في سنة 1949 حين كنا في معتقل هايكستب .. أن جماعة من الشيوعيين كانوا بجوارنا، فكانوا يتشاجرون على أدنى شيء: يعيش كل منهم لنفسه فقط، ومَن جاءه شيء فهو له، وقد قسّموا الحجرة التي ينامون فيها بالسنتيميتر، وكل واحد عليه تنظيف نصيبه، لا يزيد ولا ينقص، ومع هذا، لا تراهم إلا متنازعين متخاصمين.