الحب في الله ولله، فإنه باقٍ ما بقي وجه الله - سبحانه -، ولهذا قيل: ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل"."
وأوثق ما كانت هذه الأخوة، وأشد ما كانت قوة وفتوّة، في أيام المحن وساعات الشدائد والفتن، التي تُمتحن فيها العلاقات، ويُعرف فيها المحب المخلص من المداهن الكاذب، كما قال الشاعر:
جزى الله الشدائد كلّ خير ÷ عرفتُ بها عدوِّي من صديقي
وعن الإمام علي - رضي الله عنه:
ولا خير في وُدِّ امرئ متلوّن ÷ إذا الريح مالتْ مال حيث تميل
جوادٌ إذا استغنيتَ عن أخذ ماله ÷ وعند زوال المال عنك بخيل
فما أكثر الإخوان حين تعدّهم ÷ ولكنهم في النائبات قليل
ولقد أبرزت محنُ الإخوان المتلاحقة من ذلك العجب العُجاب، فكم من رجال أكلتِ السياط (الكربيج) من لحومهم حتى شبعتْ، وشربتْ من دمائهم حتى ارتوتْ، وهم صامتون لا يريدون أن يدلّوا على إخوان لهم. وربما أدى طول صمتهم إلى أن فاضت أرواحهم في"زنازين"العذاب، راضية قلوبهم، حتى لا يؤذوا إخوانهم بسبب كلامهم.
وكم من شباب حمّلوا أنفسهم فوق ما يطيقون من العذاب ليبرئوا ساحة غيرهم، ممن يعلمون أنه أكثر عيالا، أو أقل احتمالا.
وكم من شباب كانوا خارج الاعتقال معافين لا يعرف عنهم أحد شيئا، عزّ عليهم أن يتخلّوا عن أسر إخوانهم بعد اعتقالهم، فنظموا شبكة منهم لجمع تبرعات واشتراكات، لإرسال معونات دورية إلى تلك البيوت التي فقدت عائلها، فافتقرت بعد غنى، وذلّت بعد عزّ، وبهذا عرّضوا أنفسهم للملاحقة فالاعتقال فالتعذيب فالمحاكمة، فالسجن المؤبد والمؤقت مع الأشغال.