أذكر من هؤلاء الإخوة الأفاضل: عبد الله العقيل، وهارون المجددي، ومحمد مصطفى الأعظمي، وقد دخل الأخيران السجن الحربي سنة 1954 مع إخوانهم المصريين، وذاقوا من العذاب بعض ما ذاقوه، ولم تغن عنهم جنسياتهم أمام الطغيان الناصري الرهيب.
وقد حدّثني الداعية الإسلامي الكبير الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - أنه زار أوروبا من الطاشرة في بلد إلا وجد شبابا من مختلف الجنسيات ينتظرونه، وقد هيأوا له كل ما يريد، وفوق ما يريد. يقول - وهو يبكي:"والله، ما أعرف منهم أحدا، ولا لقيتهم، ولا لقوني من قبل، ولكنها أخوة العقيدة، ورابطة الدعوة - لا حرمنا الله من بركاتها - جعلتني أشعر كأنهم أصدقائي منذ سنين طويلة."
ولا ريب أن نعمة الأخوة في الله، والمحبة في ذاته، والارتباط على دينه، من أعظم ما مَنّ الله به على عباده من الإيمان، وهي ثمرة من ثمراته. قال - تعالى - يخاطب المؤمنين في المدينة: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] .
وخاطب رسوله ممتنًّا عليه بأخوة المؤمنين من حوله: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62 - 63] .
وقد عرفت الحياة، وعرف الناس أفرادا وجماعات كانت بينهم صُحبة وصِلة ومودّة وأُلفة، ولكنها كانت لدنيا، فلم يُكتب لها الدوام، إنما التقوا على شهوة حسية، أو متعة مادية، فلما قضوا الشهوة، أو فرغوا من المنفعة أو يئسوا منها، أصبح جمعهم شتاتا، وربما أصبحت مودّتهم خصومة وعداوة، بخلاف