فالتوجيه القائل بأن قوله تعالى: {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} المراد منه أن من كان الموت وراءه فهو سقيم - هو توجيه حسن شريطة أن تتحمله اللغة ولكن الحديث (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات - - -) الحديث يردّ هذا التوجيه حيث عدّ ذلك الفعل كذبًا - فثبت أن الأقرب إلي الحق أن يقال: إطلاق الكذب على هذه العبارات هو من قبيل التجوز في اللفظ - فقط وإلا فعلام يحمل ما يصدر من الرجل ساعة الصلح بين المتخاصمين أو في الحروب مما يكون من شأنه التستر بإخفاء معلومات المعارك عن العدو أو بين الرجل وزوجته إن لم يكن في المعاريض مندوحة عن كون الكلام كذبا فما خرج من إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مقارنة بهذه الأحوال السابقة هو من باب أولى -
3 -قال القرطبي:"وقيل كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة تغشّاه فيها الحمى - وقيل المعنى فنظر فيما نجم من الأشياء فعلم أن لها خالقا فقال إني سقيم -"
-وقال الضحاك: معنى سقيم سأسقم سقم الموت لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت وهذا تورية وتعريض كما قال للملك لما سأله عن سارة - هي أختى - يعنى بذلك أخوة الدين -"ا - هـ"
الواضح من كلام القرطبي السابق أنه كان سقيما بالفعل وبهذا يخرج الكلام عن نطاق الكذب أصلا وعليه فلا معارضة لكن بقى الحديث المروى في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات - - -) الحديث - يرد مثل هذه التوجيهات حيث إن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى في الأخذ والاعتبار من كلام غيره -
"قال القرطبي في تفسير سورة الشعراء:"