أما إذا كان تفسير الصحابي مما للرأي والاجتهاد فيه مجال، فهو موقوف [1] على الصحابي ما لم يسنده إلى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) لاحتمال أن يكون ذلك مستفادًا عن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، أو عن القواعد فلا يجزم برفعه، وكذا إذا فسر مُفْردًا فهذا نقل عن اللسان خاصة فلا يجزم برفعه [2] .
والموقوف على الصحابي: اختلف العلماء في وجوب الأخذ به، فذهب فريق: إلى أن الموقوف على الصحابي من التفسير لا يجب الأخذ به ؛ لأنه في اجتهاده كسائر المجتهدين يخطئ ويصيب، وذهب فريق آخر: إلى أنه يجب الأخذ به والرجوع إليه [3] .
والراجح - فيما يظهر لي والله أعلم بالصواب - أن تفسير الصحابي إذا لم يخالف النص ولم يعارض بقول صحابي آخر يجب الأخذ به، وذلك لما يأتي:
أولًا: أن الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه [4] ، والذي عليه جمهور العلماء: هو الأخذ بأقوال الصحابة والاحتجاج بفتاويهم [5] ؛
(1) قال الحافظ ابن الصلاح - رحمه الله في المقدمة (ص: 41 - 42) - في بيان الموقوف:"هو ما يروى عن الصحابة ( - رضي الله عنهم - ) من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها فيوقف عليهم ولا يتجاوز به إلى رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ".
(2) انظر: معرفة علوم الحديث (ص: 20) ، مقدمة ابن الصلاح (ص:50) ، رسالة في أصول الحديث للشريف الجرجاني (ص: 86) ، النكت على مقدمة ابن الصلاح (2 / 531 - 533 ) تدريب الراوي (1 / 157 ) .
(3) انظر: التفسير والمفسرون (1 / 65 ) .
(4) أعلام الموقعين (4 / 155 ) .
(5) انظر: أعلام الموقعين (4 /120 ) ، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (20 / 14 ) ، وأصول في الفقه لأبي زهرة (ص: 168 - 170) ، وروضة الناظر (ص:165) .
والقول بوجوب الأخذ بقول الصحابي إذا لم يخالف النص، ولم يعارض بقول صحابي آخر أصل عند الإمام أحمد لا خلاف عنه فيه (انظر: الإنصاف للمرداوي(8 / 298) ، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص: 115) ، وهو اختيار الموفق ابن قدامة (انظر: روضة الناظر(ص: 165 ) ) ، والنووي (انظر: روضة الطالبين(11/148 ) ) ، وابن عابدين (انظر: حاشية ابن عابدين(2/151 ) ) ، والعدوي (انظر: حاشية العدوي(1/153 ) ) ، وغيرهم كثير.
وقد أطال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في هذه المسألة وساق أدلة جامعة مانعة في تأييد ذلك ونصرته (انظر: أعلام الموقعين:(4 / 128 - 155 ) .
وما ذكره - رحمه الله - جدير أن يوقف عليه، لما فيه من تعظيم جانب صحابة رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وبيان ما خصهم الله به من الفضل و السبق، مما يحفز همة المؤمن أن يحذو حذوهم ويقتفي أثرهم، ويعرف لهم قدرهم فضلا عن الوقوف عند أقوالهم والاحتجاج بها.