المغفرة أو تنفع معه الشفاعة إلاّ ذنب الكفر بالله تعالى فلا مغفرة له ولا شفاعة. وقد جاء التعبير الافتراضيّ مُصدّرًا بالنفي بـ (ما) متبوعة بالفعل المضارع (تنفعهم) الدالّ على الاستقبال، وهذا الجواب المنفي جاء ردًّا على كلام محذوف، قدّره بعض العلماء بـ (( لوشفعوا لهم جميعًا ) ) [1] ، أو (( لو شفعوا لهم فرضًا ) ) [2] . وفي إضافة (شفاعة) لـ (الشافعين) المعرّف بـ (ال) دلالة على أنّ في الآخرة شفاعة لكنّها لا تكون للكافر، تيئيسًا لمن يصرّ على كفره وإشراكه بالله تعالى. وفي تعريف (الشافعين) دلالة على الاستغراق [3] .
ونحو هذا من الافتراض الوارد بأسلوب النفي، قوله عزّ و جلّ: {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ} [الصافّات 30] .
فالتعبير يصوّر الحوار والجدل الذي دار بين أهل النار، إذ يتّهم أحدهم الآخر بالإضلال، وباستعمال التهديد والوعيد والضغط عليهم كي لا يؤمنوا بالنبيّ المرسل إليهم، فنجد الآيتين السابقتين تشيران إلى هذا الاتّهام، وجزء من ردّ المتَّهمين عليهم، فقال تعالى: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الصافّات 28 ــ 29] . فيحتجّ الطرف الآخر عليهم بهذا الكلام الذي تُعبّر عنه هذه الآية، مدّعين عليهم (( بل لم تكونوا مؤمنين، أي: لم نكن السبب الموجب لإجرامكم وهلاككم بخلوّكم عن الإيمان بل لم تكونوا مؤمنين لا إنّا جرّدناكم من الإيمان ... ولو فرض أنّه كان لكم إيمان فما كان لنا عليكم من سلطان حتّى نسلبه منكم ... ونجرّدكم منه ) ) [4] . فليس لهم من قهر وتسلّط حتّى أجبروهم على الكفر، بل هم الذين اختاروه، فنفي هذا الإتّهام في كونهم هم (( مجاوزين الحدّ في العصيان مختارين له مصرّين عليه جواب آخر تسليميّ على فرض إضلالهم بأنّهم لم يجبروهم عليه، وإنّما دعَوهم له فأجابوا باختيارهم لموافقة ما دعَوا له هواهم ) ) [5] .
(1) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 418، وإرشاد العقل السليم 9/ 62.
(2) تفسير شبّر / 577.
(3) ينظر: روح المعاني 29/ 207.
(4) الميزان 17/ 60.
(5) روح المعاني 23/ 110