الافتراض أسلوب من أساليب التعبير القرآنيّ، ويعني: إيجاد علاقة بين أمرين أو أكثر يكون الأوّل مُتصوّر الحدوث، ويكون الثاني نتيجة لذلك التصوّر. وهو أسلوب بلاغيّ تصويريّ، يستعمل فيه التخييل والتمثيل لرسم صورة لا وجود لها في الواقع، وينبني على هذا الوجود نتائج تتحقّق بناءً على ذلك. ولم يتوسّع علماء اللغة والبلاغة والتفسير في هذا الأسلوب القرآني، بل كانوا يشيرون إشارات يسيرة إلى بعض المعاني والدلالات التي يفيدها هذا التعبير، وهي لا تشمل إلاّ جزءًا أو جانبًا معيّنًا من جوانب هذا الأسلوب. ولعلّ في تنوّع الإشارات والمصطلحات الموضوعة لهذا الأسلوب دلالة على اهتمامهم بزاوية منه دون التنبّه على وجود زوايا أخرى له، من ذلك قولهم بالمذهب الكلاميّ وتمثيلهم له بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ... [الأنبياء 22] ، أو قول ابن الأثير بالاستدراج، وتمثيله له بقوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} ... [غافر 28] ، أو القول بالتسليم الذي قال به ابن أبي الأصبع، ومثّل له بقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون 91] ، وغيرها.
إنّ المعجمات اللغويّة - فيما اطّلعت عليه - لم تذكر لمادّة (فرض) المعنى الذي يعني: تصوّر وجود شيء، وترتيب حصول نتيجة على هذا الوجود. بل كانت المعاني المتداولة لهذه اللفظة، هي معنى الوجوب، أو التبيين أو الحزّ وذكروا أيضًا معنى التقدير الملزم للواقع، ولا سيّما في تحديد مقدار حقّ الزكاة. وممّا يلحظ في هذه المسالة أنّ كثيرًا من العلماء القدامى قد استعملوا هذه اللفظة بمعناها التصويريّ التخييليّ في أثناء حديثهم عن بعض المسائل اللغويّة أو الكلاميّة كالذي لوحظ في كلام ابن جنّي والسكاكيّ والأشمونيّ وغيرهم.
ولم ترد لفظة (فرض) ومشتقّاتها في القرآن الكريم إلاّ بالمعنى اللغويّ المتعدّد الدلالات. أمّا المعنى الاصطلاحيّ موضوع الرسالة فلم ترد في ألفاظ التعبير القرآنيّ، إنّما ورد المعنى عن طريق أساليب قرآنيّة متعدّدة عبّرت عن هذا المعنى، فالافتراض لم يعتمد على الدلالة اللفظيّة