الصفحة 24 من 227

3 -علماء البلاغة وتنوّع المصطلح:

لم يذكر علماء البلاغة القدماء - فيما اطّلعت عليه - مصطلح الافتراض بلفظه للدلالة على المعنى العقليّ التصوّري لهذا الأسلوب المستعمل في تعبير القرآن، إلاّ أنّهم استعملوا مصطلحات أخر هي إلى علم الكلام أقرب منها إلى علم البلاغة، فعلماء الكلام كانوا (( مصدر نشاط خصب في البيان العربيّ ووضع كثير من مصطلحاته ) ) [1] . وهذه المصطلحات لا تعبّر عن الأسلوب تعبيرًا شاملًا مستوفيًا لكلّ شواهده، وإنّما هي إشارات لها مساس ببعض جوانب الأسلوب. ومن أهمّ هذه المصطلحات: (الاستدلال - المذهب الكلامي - إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة - الاستدلال بالتعليل - الاستدراج - التسليم - المحاجّة - الالهاب والتهييج - إخراج الكلام في صورة المستحيل - إلجام الخصم بالحجّة - التبعيد) .

فمصطلح الاستدلال الذي ظهر عند الجاحظ [ت 255 هـ] ، والذي جعله وسيلةً معرفية لكشف الغموض والوصول للحقيقة، فقال: (( ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنًى، كما أنّه لولا الاستدلال لما كان لوضع الدلالة معنًى ... وللعقل من خلال ذلك مجال وللرأي تقلّب، وتنشر للخواطر أسباب، ويتهيّأ لصواب الرأي أبواب ) ) [2] . وتطوّر هذا المصطلح حتّى أصبح الاستدلال في زمن السكاكيّ علمًا، وقد عرّفه تعريفًا لعلّه يكون غاية من غايات الافتراض وليس حدًّا له، فقال: (( وهو اكتساب إثبات الخبر للمبتدأ أو نفيه بوساطة تركيب جمل ... تارة تكونان خبريتين معًا، وتارة تكونان شرطيتين معًا، وتارة تختلفان خبرًا وشرطًا ) ) [3] . وتبع السكاكيَّ السيوطيُّ [ت 911 هـ] ، من المتأخّرين، فعدّ الاستدلال من طرق الجدل، فقال: (( ومن ذلك الاستدلال على أنّ صانع العالم واحد، بدلالة التمانع المشار إليها في قوله تعالى *: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء 22] ؛ لأنّه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام

(1) أثر النحاة في الدرس البلاغيّ، عبد القادر حسين / 31.

(2) الحيوان، الجاحظ 2/ 115.

(3) مفتاح العلوم / 548 - 549.

* قال بفرضيّته: مجمع البيان، الطبرسيّ 7/ 121، ومفاتيح الغيب، الرازيّ 22/ 127،و البحر المحيط أبو حيّان 6/ 281،و إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/ 6، وروح المعاني 17/ 32،والتحرير والتنوير 17/ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت