ومن المحدثين أيضًا، من أصحاب الدراسات في مناهج التفسير، غالب حسن، الذي يذكر الافتراض من دون أنْ يضع له تعريفًا، فيقول: (( وممّا له علاقة وطيدة وتأسيسيّة بعلّية العلم وحركة الفكر هو الافتراض، فهو يدخل في صميم الدراسات التي تهتمّ بإشكاليّة العلم ومنهجيّته وموضوعه. القرآن الكريم يحتوي على أمثلة كثيرة ومتنوّعة من الافتراضات وهو يعرض قضاياه على العقل الإنسانيّ ) ) [1] .
ويضرب للافتراض القرآني أمثلةً منها قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة 58 - 59] ، وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة 63 - 64] ، وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ} [الواقعة 71 - 72] ، وقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور 35] . ويعلّق على هذه الآيات بقوله: (( هكذا يطرح القرآن الافتراض بالطريقة التي يوفر فيها للعقل حرّية الحركة بين الاحتمالات المفترضة، الأمر الذي يكشف عن صيرورة الفكر الحرّ في القرآن الكريم ) ) [2] .
البلاغة جزء من التعبير القرآني لا تنفصل عنه ولا تفارقه، كيف لا والقرآن الكريم كلام الله المنزَّل على لغة أصحاب الفصاحة والبيان، وقد تحدّاهم للإتيان بمثله، ولو ظاهرهم في ذلك جميع الإنس والجنّ، قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء 88] . وعلوم البلاغة تترابط فيما بينها في النص القرآني، بل وحتّى النص الأدبيّ أحيانًا كثيرةً، فلا يمكن تجزئته على وفق تقسيم علوم البلاغة. وإذا (( كان السكاكيّ أوّل مَن بوّب البلاغة وقسّمها إلى أقسامها الثلاثة، المعاني والبيان ... والبديع ) ) [3] ، فإنّ المنهج الموضوعيّ هو الذي اقتضى (( الفصل بين هذه العلوم الثلاثة، وإنْ
(1) نظرية العلم في القرآن / 66.
(2) المصدر نفسه / 66.
(3) أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين، قيس إسماعيل الأوسيّ / 73. الشائع أنّ ابن مالك هو من قسّمها هذا التقسيم، ينظر: البلاغة والتطبيق / 93.