تداخلت بعض المفاهيم فيها بسبب من الأسباب أو التقت في بعض المقاييس في جملة منها بوجه من ... الوجوه )) [1] .
والافتراض - كما سيلحظ - من الأساليب التي جاءت منسجمة ومترابطة مع جميع علوم البلاغة، فهو لم يختص بعلم دون غيره، ولا عُرف في نمط خاص أو صنف معين من صنوف البلاغة، فهو معنويّ على جهة الخبر، تشكّله الجملة الشرطيّة، ولعلّ أبرز أدواتها (لو - إنْ - لئن - مَن) . كقوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر 21] ، وقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف81] ، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر 65] ، وقوله تعالى، الذي قيل بفرضيّته [2] : {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} ... [الأنبياء 29] .
وإذا كانت الأداة مع أسلوب الشرط، هي التي تدلّ على معنى الافتراض، والجملة فيها خبريّة، فالافتراض يأتي مع الجمل الإنشائيّة، وقد يكون أحد العوامل في كشف معنى الافتراض، هو التنغيم، وهو (( ارتفاع الصوت وانخفاضه في أثناء الكلام ... وهنا تقوم درجات الصوت المختلفة بدورها المميّز على مستوى الجملة ) ) [3] . ومن الجمل الإنشائيّة التي يلحظ فيها الافتراض، جملة الاستفهام، وهو من الطلبيّ، ولعلّ أهمّ أدواتها (الهمزة - أم المنقطعة) ، كقوله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران 80] ، الذي قال بفرضيّته صاحب الميزان [4] وقوله تعالى، الذي قيل ... بفرضيّته [5] : {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف 39] ،
(1) أصول البيان العربيّ في ضوء القرآن الكريم، محمد حسين على الصغير / 165 - 166.
(2) ينظر: الكشاف 3/ 110،وإرشاد العقل السليم 6/ 64،وتفسير شبّر / 324،و روح المعاني 17/ 45.
(3) دراسات في اللسانيّات العربيّة (المشاكلة - التنغيم - رؤى تحليليّة) ،عبد الحميد السيد / 51.
(4) ينظر: الميزان في تفسير القرآن 3/ 123.
(5) ينظر: مفاتيح الغيب 18/ 457، الميزان 11/ 78، والتحرير والتنوير 12/ 64.