(( التوجّه إلى المشركين ومجادلتهم، سمة المكيّ، أمّا التوجّه إلى أهل الكتاب وأيضًا التوجّه إلى المنافقين، فسمة المدنيّ ) ) [1] .
كان لتحديد أسلوب الافتراض عند المفسّرين إشكاليّات متعدّدة، منها ما يختص بالمعنى الدالّ على الافتراض، ومنها ما يختص بالمفسّر نفسه، فهو قد يقول في آية معيّنة: إنّها على الفرض. ولا يقول ذلك في آية أخرى مشابهة لها في المعنى. وقد تكون الإشكاليّة أنْ ينفرد مفسّر أو مفسّران في القول بالافتراض، أو أنّ العلماء المفسّرين لا يصرّحون بأنّ المعنى على سبيل الافتراض، من ذلك قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة 18] ، فالزمخشريّ مثلًا يقول معلّقًا على قوله (فلِمَ يعذّبكم بذنوبكم) : (( فإنْ صحّ أنّكم أبناء الله وأحبّاؤه فلِمَ تذنبون وتعذّبون بذنوبكم فتمسخون وتمسّكم النار أيّامًا معدودات على زعمكم. ولو كنتم أبناء الله لكنتم من جنس الأب، غير فاعلين للقبائح ولا مستوجبين للعقاب. ولو كنتم أحبّاءه لما عصيتموه ولما عاقبكم ) ) [2] . فهذا التفسير الذي قاله الزمخشريّ، ليس بينه وبين عدّه من باب الافتراض إلاّ أنْ ينطق بلفظ (الافتراض) ، أمّا المعنى الذي فسّره، فلا يحتاج إلى جهد كبير؛ لمعرفة أنّ للمعنى دلالة واضحة على الافتراض. وبمثل هذا المعنى قال علماء آخرون دون أنْ يصرّحوا بأنّه: على سبيل الافتراض. فالبيضاويّ يقول في تفسيرها: (( فإنْ صحّ ما زعمتم فلم يُعذّبكم بذنوبكم فإنّ مَن كان بهذا المنصب لا يفعل ما يوجب تعذيبه، وقد عذّبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنّه سيعذّبكم بالنار أيّامًا معدودات ) ) [3] . أمّا الثعالبيّ، ... فقال: (( أي لو كانت منزلتكم منه فوق منازل البشر لما عذّبكم، وأنتم قد أقررتم أنّه يعذّبكم ) ) [4] .
(1) المعنى القرآني بين التأويل والتفسير، دراسة تحليليّةمعرفيّة في النص القرآنيّ، عباس أمير / 228.
(2) الكشّاف 1/ 606.
(3) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 309.
(4) الجواهر الحسان في تفسير القرآن2/ 366.