أمّا التعبير الافتراضيّ في العهد المدنيّ فقد كانت معظم آياته تدور، إمّا في دائرة الإلهاب والتهييج، ولا سيّما في الخطابات الموجّهة للنبيّ عليه الصلاة والسلام، أو التعجيز والتوبيخ في الخطابات الموجّهة للمنافقين، منها قوله تعالى، الذي قيل بفرضيّته [1] : {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة 145] ، وقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء 78] .
ويمكن أنْ نستنتج من هذا أنّ الافتراض في أغلب مواضعه من السور المكّيّة يكون أسلوبًا إقناعيًّا مؤثّرًا في المتلقّي الذي يرفض الأفكار التي جاء بها الوحي (( ولذلك إذا ذكر تعالى حجّةً على ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرّة بإضافته إلى أولي العقل، ومرّة إلى السامعين، ومرّة إلى المفكّرين، ومرّة إلى المتذكّرين تنبيهًا أنّ بكلّ قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها ) ) [2] . وتغلب صفة المناظرة والجدل على أسلوب الافتراض في القرآن، بل وفي غير القرآن، ممّا جعله يستعمل العبارات ذات القياس المنطقي، وحرص على استعمال الألفاظ الخاصّة بموضوع المناظرة تسهيلًا للتفاهم وتحديدًا للأفكار، فجاءت العبارة دقيقة واضحة ليس فيها إسهاب مُخلّ ولا تكرار غير مفيد [3] . أمّا في العهد المدني، فقد كان أسلوب الافتراض القرآني أسلوبًا ذا دلالات بلاغية وغايات توجيهية، أكثر منها جدليّة احتجاجية، كما في العهد المكيّ، فكان الأسلوب إمّا مهيّجًا ملهبًا للنبيّ عليه الصلاة والسلام والمسلمين، أو موبّخًا مكذّبًا للمنافقين. وبصورة عامّة، فإنّ ...
(1) ينظر: الكشاف 1/ 202، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 112، والبحر المحيط 1/ 606، وإرشاد العقل السليم 1/ 216، وتفسير القرآن الكريم / 22، والتحرير والتنوير 2/ 36.
(2) البرهان في علوم الفرآن، الزركشيّ 2/ 17 - 18.
(3) ينظر: الأسلوب / 100 - 101.