أكثر المجتمع المكيّ من الجدل والحجاج مع النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلّم -، وقد أملى لهم هذا الجدل (( أنّ(محمّدًا بن عبد الله) يقرّ بأنّه بشر مثلهم، وأنّه لم يأتهم بآية ممّا اقترحوه عليه. وردًّا على هذه المزاعم الجدليّة من المشركين، بدأ القرآن من أواسط العهد المكيّ - الذي اشتدّ فيه الجدل ... ـ يواجههم بالتحدّي والمعاجزة حسمًا لكلّ جدل أو ريب فيه، وبرهانًا قاطعًا على إعجازه وحجّة بالغة على مَن زعموا أنّ محمّداّ - ص - تقوّله وافتراه أو اكتتبه من أساطير الأوّلين )) [1] .
وممّا يلحظ في هذه الردود على المزاعم أنّ (( المناظر مرتبط بخصمه مقيّد بأفكاره إلى حدّ ما، فهو يستمع إليها أو يقرؤها ثُمّ يناقشها، ولذلك يُردّد في عباراته كثيرًا من ألفاظ نظيره وعباراته إذ كانت موضوع الحوار ) ) [2] . وحينئذٍ بدأ التحدّي لهؤلاء المشركين بأنْ يأتوا بكلام من مثله، ويبدو أنّ الترابط وثيقًا بين آيات التحدّي وأسلوب الافتراض، إذ كانت الآيات تجادلهم وتطالبهم بالإتيان بمثله بأسلوب ملؤه التعجيز والتكذيب (( وأوّل ما نزل من آيات المعاجزة آية الإسراء المكيّة، ردًّا على مَن جحدوا نبوّة الرسول لكونه بشرًا مثلهم، فكان إعجاز القرآن مع الإقرار ببشريّة الرسول عليه الصلاة والسلام تحدّيًا جهيرًا لهؤلاء الذين أبوا إلاّ كفورًا واستكبارًا ) ) [3] ، فقال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء 88] ، وقد قيل بفرضيّته [4] .
واستمرّ التقريع للمشركين المعاندين - طوال العهد المكيّ - بأنْ يأتوا بمثل هذا القرآن، ولِمَ لا يأتون بمثله (( واللغة لغتهم والبيان طوع ألسنتهم ... وبعدها في مستهلّ العهد المدنيّ نزلت آية البقرة أولى السور المدنيّات والتحدّي فيها بسورة من مثله إنهاءً لهذا الجدل الذي طال ) ) [5] .
(1) الإعجاز البيانيّ للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق، عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ / 66 - 67.
(2) الأسلوب: أحمد الشايب / 92 - 93.
(3) الإعجاز البياني ومسائل نافع بن الأزرق / 66 - 67.
(4) ينظر: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 5/ 194،وروح المعاني 15/ 211.
(5) الإعجاز البياني للقرآن / 68.