والذي يبدو أنّ هذه اللفظة قد أخذت هذه الدلالة عند استعمالها في العبارات الكلاميّة أو الجدليّة أو الاستدلاليّة، وهو ما يمكن استنباطه من المواضع التي إستعملت فيها، ولعلّ في قولنا (افرض كذا) معنى (تصوّره موجودًا أي: تصوّر لزوم وجوده) .
ولسائل أنْ يسأل لماذا الافتراض؟ أو لماذا يلجأ المتجادلان أو المتخاصمان إلى الافتراض؟ وهل الافتراض في الجدل والمحاججة فقط؟ لعلّ ما في الصفحات الآتية ما يعطي إجابة على هذه الأسئلة.
يستعمل هذا اللفظ إمّا لإثبات مسألة محل جدل وخصام، أو لوضع حلّ مسبق لمسألة قد تقع في المستقبل، وقد يكون لاستقصاء كلّ جوانب المسألة، فلا يترك جانبًا منها إلاّ ويحلّ تعقيده ويكشف غموضه. ولذا فإنّ كثيرًا من العلوم الإنسانيّة قد أفادت من هذا اللفظ، فهو وسيلة من وسائل المعرفة، فـ (( الفرضيّة بالنحو الذي اتّخذوها فيه أصل المسائل العلميّة اليوم، واعتبروها وسيلة توسّع وتنامي العلوم، فهي عبارة عن سلسلة من القضايا التي لا هي بديهيّة ولا هي مبرهن عليها في مواضع أخرى، ولا أنّها منظور في إثباتها وعدم إثباتها ... أيضًا ) ) [1] . فالعلوم الإنسانيّة علوم متغيّرة ومتطوّرة، وكثير من التطوّر والتغيير جاء نتيجة فرضيّات وضعها العقل البشريّ، كان لها الدور الفاعل في دفع العلوم الإنسانيّة خطوة إلى الأمام، حتّى لو كانت هذه الفرضيّات في أساسها غير صحيحة أو لم يتمّ إثباتها، ولعلّ من أهمّ هذه الفرضيّات (نظرية دارون في التطوّر) ، و (نظرية فرويد الجنسيّة) ، وغيرها (( ولا ينكر أنّ الدور الاستعماليّ للفرضيّات في تلبية الاحتياجات والرغبات الطبيعيّة، وفي سيطرة الإنسان على المحيط المادّي والمحسوس تتسبّب لأنْ
(1) نظريّة المعرفة في القرآن، جوادي آملي / 142.