الصفحة 40 من 227

ولِِنقُل أيضًا إنهاءً لهذا النوع من الافتراض المتحدّي على الإتيان بمثل القرآن الكريم، فقال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ ... صَادِقِينَ} [البقرة 23] ، الذي قيل بفرضيّته [1] . لقد كان لطبيعة المجتمع المشرك في مكّة أنْ يكون موضوع الجدل والحجاج (( قضيّة الإيمان بالله - وجوده، ووحدانيّته، وقدرته، ورحمته، وسعة علمه - وقد عرضتها المشاهد في تصوير بياني رائع مخاطبةً البداهة والبصيرة مجليةً الحقيقة تجليةً لا خفاء فيها ولا لبس ) ) [2] ، فقال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء22] وقال بفرضيّة هذا التعبير طائفة من المفسرين [3] .

إنّ أهمّ القضايا التي كانت مدار الجدل والمحاججة في القرآن - والتي كانت معظم الآيات الافتراضيّة تأتي مفنّدة لها - تدور في ثلاثة محاور: (( أحدها ذكر الله تعالى بما لا يليق به، من أنّ الملائكة بناته، وأنّ له ولدًا وشريكًا، وأنّه ثالث ثلاثة، والثاني ذكر رسول الله(ص) بأنّه ساحر وكاهن وكذّاب، وإنكار نبوّته، وأنّه كسائر الخلق فلا يستحقّ أنّ يُتّبع، وثالثها إنكار اليوم الآخر والبعث والنشور والجنّة والنار وإنكار عاقبة الطاعة والمعصية، وفي محاجّة الله تعالى إيّاهم بالحجج لطائف وحقائق ويوجد فيها الترياق الأكبر وآياته أيضًا كثيرة ظاهرة )) [4] . وكان النصيب الأكبر في مناقشة هذه القضايا في السور المكيّة؛ وذلك لكون الصفة العامّة للمجتمع المدنيّ أصبحت صفة الإسلام الذي يؤمن بالوحدانيّة لله تعالى، والنبوّة للرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وإيمانه باليوم الآخر، ولذا فقد كان حال أهل المدينة (( مقتضيًا تبعًا لإيمانهم وتصديقهم قبول أمور التشريع في العبادات والمعاملات الشخصية والدولية، كما اقتضى الوجود المكاني لأهل المدينة المجاور لفريقين من غير المؤمنين بالرسالة المحمّديّة، وهم المنافقون وأهل الكتاب أنْ

(1) ينظر: البحر المحيط 1/ 247، وروح المعاني 1/ 260، والتحرير والتنوير 1/ 330.

(2) المشاهد في القرآن الكريم، حامد صادق قنيبيّ / 305 - 306.

(3) ينظر: مجمع البيان 7/ 121، ومفاتيح الغيب 22/ 127، والبحر المحيط 6/ 281، وإرشاد العقل السليم 4/ 330،وروح المعاني 17/ 32، والتحرير والتنوير 17/ 31.

(4) جواهر القرآن، الغزاليّ / 31 - 32، وينظر: مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد / 266 - 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت