الصفحة 206 من 227

لمعنى لفظة (فرض) أو (افترض) بل اعتمد على أساليب تعبيريّة يمكن من خلالها استنباط معنى الافتراض، فهو يعتمد في معرفته بطريقة مباشرة على أسلوب الشرط النحويّ ويبرز ذلك جليًّا في أدوات معيّنة، أهمها: (إنْ - لو- لئن - مَن) ، ولا يعني هذا أنّ كلّ أسلوب شرطيّ يدلّ على الافتراض، فقد يكون الأسلوب شرطيًّا ولا يدلّ على الافتراض، فيكون التأويل والتأمّل في النص هما العاملان المحدّدان للقول بالافتراض في النص القرآنيّ في أغلب الأحيان.

أمّا الطريقة غير المباشرة، فمن أهم العوامل التي تدلّ على أسلوب الافتراض، تأمّل النص، وملاحظة بعده عن الواقع المعتاد، فضلًا عن التقدير والتأويل و التنغيم الذي يخرج الأسلوب اللغويّ من معناه الحقيقيّ إلى المعنى المجازيّ الذي يؤديه، ولعلّ من أهم هذه الأساليب أسلوب الاستفهام، وهو يظهر في الأداتين (الهمزة - أم المنقطعة) ، وفي أساليب إنشائيّة أخرى، كالنهي، والأمر، وكذا يرد في أساليب خبريّة كالنفي، فضلًا عن المثل القرآنيّ الذي كان وسيلة من وسائل الافتراض.

فالافتراض وسيلة معرفيّة هدفها الوصول إلى الحقيقة في مسألة غامضة أو وضع حلول لقضيّة هي موضع جدل وخصام بين طرفين أو أكثر، فيكون التعبير الافتراضيّ على شكل حجّة أو برهان يؤكّد حقيقة ً أو يدحض ادّعاء أو يستقصي مسألة فلا يترك وجهًا من وجوهها المحتملة إلاّ ويتصوّر وجوده؛ لذا فقد استعمل هذا الأسلوب كثيرًا في العلوم الإنسانيّة. ولعلّ أهمّ هذه العلوم، علم الفقه، وعلم الاستدلال والجدل والمنطق، وعلم النحو.

وجاء الافتراض في السور المكّيّة في مقام الاحتجاج على الكفّار في مسائل منها: وحدانيّة الله تعالى، وتنزيهه عن الولد والشريك والصاحبة، وتنزيه النبيّ عليه السلام عن الافتراء على الله تعالى، وتنزيه الملائكة عن ادّعاء الربوبيّة من دون الله تعالى؛ لذا كان الافتراض في معظم أحواله جدليًّا احتجاجيًّا، فيكون على سبيل الحجج والبراهين التي يدحض فيها مقولات الكفّار. أمّا في السور المدنيّة، فقد جاء ردًّا على مزاعم المنافقين وأهل الكتاب، أو تحذيرًا من اتّباع أهواء المنافقين وأهل الكتاب.

وتنوّعت الإشارات التي ذكرها العلماء في أساليب الافتراض - وهي إشارات غير شاملة له، وإنّما هي التفاتة إلى معنىً من معانيه أوغاية أو دلالة من دلالاته - ولعلّ أهمّ تلك الإشارات ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت