الصفحة 207 من 227

(المذهب الكلاميّ - الاستدلال بالتعليل - الاستدراج - التسليم - المحاجّة - إلجام الخصم ... بالحجّة) وغيرها، وهذه الإشارات هي أقرب إلى دلالة الأسلوب منها إلى الأسلوب نفسه، لكونها غير شاملة إلاّ لجزء من جزئيّات الأسلوب. وهذه الدلالات منها ما يكون جدليًّا احتجاجيًّا، ومنها ما يكون بلاغيًّا.

وارتبط أسلوب الافتراض بعلوم البلاغة الثلاثة، فلم يختصّ بعلم من علومها فهو كأسلوب معنويّ يوجد في الشرط والاستفهام والأمر والنهي، ونجده في البيان في المجاز والكناية والاستعارة، وهو في البديع موجود في المذهب الكلاميّ والاستدراج.

وتحديد معنى الافتراض للآية القرآنيّة كان أمرًا اجتهاديًّا معتمدًا على التأويل عند علماء التفسير والبلاغة؛ لذا فقد يتّفق جماعة من العلماء على القول بالافتراض في آية ما، ولا يقال ذلك في غيرها أو في آية مشابهة لها في المعنى. بل قد يكون المعنى للآية واضح الخروج إلى الافتراض ولا يقول به واحد من العلماء، كما ظهر في قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء 78] .

والشائع عند علماء النحو أنّ (لو) حرف امتناع لامتناع، لكنّها في سياق التعبير الافتراضيّ لا تعطي دائمًا هذه الدلالة بدليل قوله تعالى: {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر 14] ، وقوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال 23] ، فهم لا يستجيبون سمعوا أم لم يسمعوا، وهم متولّون سواءً أسمعهم أم لم يُسمعهم.

ويمكن تقسيم الافتراض أنواعًا بحسب ما يعطيه كلّ تعبير افتراضيّ، ولعلّ أهمّ الأنواع هي: الممكن، المحال، الزمانيّ، المكانيّ، التصويريّ. فالافتراض الممكن منه ما كان حصوله ممكنًا للبشر، ومنه ما كان مستحيلًا على البشر القيام به، إلاّ أنّه إذا تعلّق حصوله بالذات الإلهيّة، فهو ممكن لعدم استحالة شيء على الله تعالى. أمّا المحال منه، فهو ما لا إمكانيّة لحصوله، وهو يأتي لإثبات نقيض ما هو مفترض؛ لكون نتيجة الافتراض غير حاصلة، فيكون أصل الافتراض لا وجود له. وأكثر ما يستعمل في مواضع الاحتجاج على الخصم المعاند، فيأتي له بالفرض المحال الذي يعلم عدم وجوده أو وقوعه؛ ليثبت له أنّ في عدم حصوله دلالة على صحّة نقيضه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت