وجاء الافتراض الزمانيّ، إمّا مصوّرًا لزمان غير كائن، كالزمن السرمدي للّيل أو للنهار، وهو غير واقع، لكنّه ممكن أنْ يقع لو شاء الله ذلك. وإمّا أنْ يكون مصوّرًا لإحدى حالتين أحداهما عكس الآخرى، هما: افتراض عودة الكافر من الحياة الآخرة إلى الدنيا، أو افتراض الحياة الآخرة قبل وقوعها وافتراض علوّ المنزلة فيها من قِبل كافرٍ مغرور. أو بافتراض مدّة من الزمان لا وجود لإنسان ٍ يمكن أنْ يعيشها، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج 4] .
وأمّا الافتراض المكانيّ، فهو إمّا افتراض لوجود بعض الناس في مكان أو أماكن في وقت ٍ بعينه، ولعلّ أهمّ هذه الأوقات ساعة الموت أو حين وقوع المعارك، وأكثر مَن يفرض لهم هذا الافتراض المنافقون الذين إعتادوا على الفرار. وجاء الافتراض المكانيّ أحيانًا تصويرًا لعظم المنزلة، فيفترض القرآن وقد نزل على جبل، وقد خشع هذا الجبل وتصدّع من خشية الله تعالى، وجيء بهذا الافتراض المكانيّ لغاية بلاغيّة، هي توبيخ الإنسان على قسوته وقلّة خشوعه وتدبّره لما ينزل له من كلام.
وأمّا الافتراض التصويريّ، فهو افتراض يرسم صورة ً فنّيّة لمشهد معيّن ويجعلها صورة ً حيّة ً ناطقة ً أحيانًا، ويؤتى به وصفًا لحال أو بيانًا لحقيقة أو تشخيصًا لأمور حسّيّة لا يدركها العقل البشريّ، ولا يستشعر أهمّيتها إلاّ بالتصوير لها.
وأنواع الافتراض ليست منفصلة أحدها عن الآخر، بل إنّ هنالك تمازجًا وترابطًا بين هذه الأنواع، فقد يكون الافتراض ممكنًا وهو على سبيل التصوير أوافتراضًا مكانيًّا، أو يكون زمانيًّا وهو محال وهكذا.
خرج الافتراض لدلالات كثيرة يحدّدها السياق الذي ورد ت فيه، وهي في مجملها إمّا احتجاجيّة على شكل عبارة كلاميّة حاملة الدليل أو الحجّة على الخصم المنازع، وإمّا أنْ تأتي لتأدية أغراض بلاغيّة. فالدلالات الاحتجاجيّة مثل (الاستدراج - إلجام الخصم بالحجّة - التسليم - التعجيز) وغيرها، أمّا الدلالات البلاغيّة، فمثل (التعريض - التوبيخ - التهكّم - الإنكار - التكذيب - الوعيد) وغيرها.