الصفحة 127 من 371

احتمال اللفظة لمعانٍ متعدّدة يعود لأسباب وعلل استعماليّة لغويّة، منها اختلاف اللهجات وتداخل اللغات، والتطوّر الصوتي والمجازي الّذي يعتري الألفاظ وغير ذلك , وهذا ما رآه ـ كذلك ـ أبو عليّ الفارسيّ (ت 377 هـ) حين قال: إنّ"اتّفاق اللفظتين واختلاف المعنيين ينبغي ألاّّ يكون قصدًا في الوضع، ولا أصلًا، ولكنّه من لغات تداخلت، أو تكون كلّ لفظة تستعمل بمعنى، ثمّ تستعار لشيء فتكثر وتغلب، فتصير بمنزلة الأصل." [1] فهما كانا من المقتصدين في القول بالمشترك اللفظي، لا من المنكرين له.

وقد لقي موقف ابن درستويه تجاه المشترك ومن تابعه فيه استحسان طائفة من اللغويّين لما رأوه من إسراف القدماء في رصد أمثلة الألفاظ المشتركة، منهم الدكتور إبراهيم أنيس الّذي لم يسلّم بالاشتراك اللفظي إلاّ عندما يختلف المعنيان بصورة لا يستطاع منها إيجاد أو لمح أيّ صلة بينهما، إذ قال:"وقد كان ابن درستويه محقًّا حين أنكر معظم تلك الألفاظ الّتي عدّت من المشترك اللفظيّ، واعتبرها من المجاز ..."

لأنّ المشترك اللفظيّ الحقيقيّ إنّما يكون حين لا نلمح أيّ صلة بين المعنيين، كأن يقال لنا مثلًا أنّ الأرض هي الكرة الأرضيّة، وهي أيضًا الزكام، وكأن يقال لنا أنّ الخال هو أخو الأمّ، وهو الشامة في الوجه." [2] "

وهناك من المحدثين من رأى في إنكار المشترك اللفظي تعسّفًا، ذاهبًا إلى أنّ وروده في اللغة ليس بالكثير الّذي يصل إلى الحدّ، كما قال به المجيزون له

والمسرفون، يقول الدكتور عليّ عبد الواحد وافي:"من المتعسّف محاولة إنكار المشترك إنكارًا تامّأً، وتأويل جميع أمثلته تأويلًا يخرجها من هذا الباب ... غير أنّه لم يكثر ورود المشترك في اللغة العربيّة على الصورة الّتي ذهب إليها الفريق الثاني، وذلك أنّ كثيرًا من الأمثلة الّتي ظنّ هذا الفريق أنّها من قبيل المشترك اللفظي يمكن تأويلها على وجه آخر يخرجها من هذا الباب." [3]

وعلى هذا يمكن القول إنّ علماء اللغة قدماء ومحدثين لم ينكروا المشترك اللفظيّ

بتمامه؛ لأنّ المشترك يعدّ رافدًا من روافد اللغة من خلال إسهامه في إغناء العربيّة وإثرائها دلاليًّا، فضلًا عن أنّ"دراسة المعنى القائمة على التفاوت الدلاليّ للألفاظ في"

(1) المسائل المشكلة (البغداديات) 534، وينظر المخصّص: ابن سيدة 13/ 259.

(2) دلالة الألفاظ214، وينظر: الوجيز في فقه اللغة: د. محمّد الأنطاكي 390.

(3) فقه اللغة 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت