الصفحة 129 من 371

المجيد)، وهناك من خصّص بابًا لذلك، كما فعل ابن قتيبة في

كتابه (تأويل مشكل القرآن) [1] سمّاه (باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة) .

ولا بدّ من التسليم بوجود ألفاظ قرآنيّة مشتركة؛ ذلك لأنّ نزول القرآن كان بلغة ... العرب، وعلى وفق أساليبهم الكلاميّة.

ومع تميّز الألفاظ المشتركة من غيرها من الألفاظ بتعدّد المعاني، إلاّ أنّ هذا التعدّد وسم لفظة المشترك بسمة الغموض في الدلالة، والصعوبة في تحديد معناها وهي خارج السياق، غير أنّها تصب متعيِّنة الدلالة حين تنضمّ إلى السياق المتضمّن قرينة تساعد على تعيين معنى واحد من معانيها؛ ذلك أنّ المشترك اللفظي"لا بدّ أن يكون له في كلّ مقامٍ ومقال معنى واحد من بين سائر معانيه يدلّ عليه، ويختلف هذا المعنى بحسب الاستعمالات المتعدّدة لذلك اللفظ." [2]

وكان السياق محطّ عناية العلماء والباحثين من القدماء والمحدثين قال ابن الأثير (ت671هـ) في معرض حديثه عن المشترك اللفظي:"يجب ... على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع، وهو من جملة الألفاظ المشتركة الّتي يُحتاج في إيرادها إلى قرينة تُخصِّصها ضرورة." [3] فهو يريد بقوله:"قرينة تخصّصها ضرورة"أنّه يستلزم ـ عند إيراد لفظة مشتركة ـ وجود قرينة دلالية لتحديد معناها الّذي يقصده المتكلّم من بين معانيها المتعدّدة. وهذه القرينة اما سياقية او حالية او عقلية، ويراد بالسياق نسق الكلام ومجراه، وهو على ثلاثة انواع هي: متقدم، ومتأخر، ومكتنف. والحالية ما يتعلق بالنص القراني من اسباب نزول وقصص الآي [4] .

وقد أدرك المحدثون ـ كذلك ـ ما للسياق من أثر في تعيين معنى

واحد من معاني اللفظة المشتركة، وبدونه لا معنى لها، إذ يقول

المستشرق ستيفن أولمان:"إذا تصادف أن اتّفقت كلمتان أو أكثر في"

أصواتها اتّفاقًا تامًّا، فإنّ مثل هذه الكلمات لا يكون لها معنى البتّة دون السياق الّذي تقع فيه." [5] "

(1) الصفحة 439.

(2) فقه اللغة العربية 143.

(3) المثل السائر 1/ 204.

(4) الدلالة في البنية العربية بين السياق اللفظي والسياق الحالي: د. كاصد الزيدي 114 - 115 (بحث) .

(5) دور الكلمة في اللغة 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت