فهرس الكتاب
وانما هذا النمط عن اللفظيّ بأنّه غامض الدلالة، إذ يصعب على الباحث تحديد معانيه بشكل دقيق؛ ذلك لانه"بحاجة إلى إعمال الفكر وإمعان النظر؛ كي تتوصّل إليه، وتكشف عن أبعاده الدلاليّة في النصوص من خلال تركيبها وسياقها." (1) ومن أمثلته ما جاء في قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ.} (الرعد: من الآية17) ففي الآية
مقابلتان، أوّلهما: جرت مقابلة لفظيّة ظاهرة بين الحقّ والباطل، والأخرى: مقابلة خفيّة بموازاة دلاليّة مع الحقّ والباطل، وهي المقابلة بين ما ينفع الناس المتمثّل في الخير، وما هو بخلافه من الشرّ والخبث الّذي لا يدوم، فهو زائل كـ (الزبد) الّذي هو غثاء يطفو عند إذابة المعادن، منها الذهب والفضّة للانتفاع منها، وهذا"الخبث يطفو، وقد يحجب المعدن الأصيل، ولكنّه بعد خبث يذهب ويبقى المعدن في نقاء؛ لذلك مثل الحقّ والباطل في هذه الحياة، فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ، ويبدو رابيًا"
طافيًا، ولكنّه بعد زبد أو خبث ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحًا، لا حقيقة ولا تماسك فيه، والحقّ يظلّ هادئًا ساكنًا ... وهو الباقي في الأرض." (2) "
فدلّت المقابلة في الآية على أنّ (الحقّ) هو الّذي يبقى ويدوم لما فيه من خير
وحياة ومنفعة للعباد، على حين أنّ (الباطل) فانٍ غير دائم، وخالٍ من
النفع.
وممّا تقدّم يتّضح ما للتقابل الدلاليّ من فاعليّة وقدرة كبيرة على إبراز دلالات الألفاظ والتعابير، ولا سيّما في الأسلوب القرآنيّ الّذي اتّسم بسمة واضحة بإيراد تقابلات لفظيّة ظاهرة من خلال ورود المعنى المقابل في أحيان، ومعنويّة خفيّة لا يسهل تحديدها إلاّ بالتوسّل بالقرائن الدلاليّة سياقيّة كانت أم حاليّة أم عقليّة في أحيان أخر، وقد حفل تفسير أبي السعود بكثرة إيراده التقابلات بنوعيها، متّخذًا من هذا الأسلوب وسيلة لتفسيره معاني الألفاظ القرآنيّة وتبيانها بشكل دقيق، وذلك بإيراده المعنى المقابل؛ لإظهار المعنى المراد، وقد اصطلح عليه أبو السعود بمصطلحات عرفت لدى القدماء بدلالتها على التقابل، وهي: (ضدّ) ، أو (نقيض) ، أو (خلاف) ، أو (مقابل) .
وعلى الرغم من انَّ القدماء لم يعرفوا مصطلح التقابل بمفهومه الحديث- وقد سبقت الاشارة اليه- الا انهم دلوا على التقابل بهذه المصطلحات المذكورة آنفًا وقد اعتمدها المحدثون اساسًا في دراساتهم الدلالية في هذا المجال، فأتجهوا فيها اتجاها آخر، وذلك بوضعهم