الصفحة 279 من 371

ـ دلالة تغيير بنية الجملة:

معلوم أنّ بناء الجملة لا يستقرّ على هيئة واحدة، أو تركيب شكلي معيّن، إنّما قد تطرأ عليه تغييرات كثيرة؛ ذلك أنّ نسق الكلام تابع للمعاني، فباختلاف هذه المعاني ستتغيّر البنية الأساس للجملة تبعًا للتغيّر الحاصل في المعنى المراد إيصاله للمخاطب، ومن هذه التغييرات الطارئة على الجمل: الحذف، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، وغير ذلك.

وقد كان للنحويّين الريادة في الكشف عن هذه الحالات المختلفة الّتي تصار إليها الجملة، الإبانة عن المعاني الحاصلة منها، ممّا دعاهم إلى البحث في الدواعي والأسباب هذه التغييرات، والكشف عن أساليب تعبير الجملة عن المعاني المختلفة [1] .

أمّا أبو السعود، فكان ممّن أولى هذه التغييرات عناية فائقة، فتراه في تفسيرها محلّلًا ومعلّلًا وموضّحًا ما كان وراءها من دلالات وغايات اقتضاها السياق القرآنيّ، وسيتبيّن ذلك فيما يأتي:

أوّلًا ـ دلالة الحذف:

اتّسمت لغة العرب بأنّها تميل إلى الاختصار والإيجاز القوليّ؛ ذلك الإيجاز المقتضي حذف مفردات أو جمل من دون الإخلال بالمعنى المراد، وعليه فقد ارتبط هذا الأسلوب بضوابط تحدّه، فهو لا يقع اعتباطًا، بل لعلل وأغراض دلاليّة،

منها [2] : كثرة الاستعمال، والتخفيف والاختصار، الابتعاد عن الحشو والتكرار، والتعظيم، والتشويق، وغير ذلك. ويكمن وراء هذا الحذف شرٌّ معيّن يعمل على تحريك الأذهان في تقدير المحذوف، فيجعل النظم عجيبًا والتأليف رائعًا [3] . ولذلك وصفه عبد القاهر الجرجانيّ بأنّه"باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر"

(1) اثر المعنى في الدراسات النحوية 324.

(2) شرح المفصّل 4/ 102، والبرهان في علوم القرآن 3/ 104 ـ 105، وينظر: ظاهرة التخفيف

في النحو العربيّ: أحمد عفيفي 280.

(3) التراكيب النحويّة من الوجهة البلاغيّة: عبد الفتّاح لاشين 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت