فهرس الكتاب
، فإنّك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمّ ما تكون بيانًا إذا لم تُبِن." [1] "
وقد عني النحاة به في كتبهم، وكان الحذف لديهم على صور منها: حذف
الحرف، واللفظة، والجملة. وقد أشار إلى ذلك ابن جنّيّ حين قال:"قد حذفت العرب الجملة، والمفرد، والحرف، والحركة، وليس شيء من ذلك إلاّ عن دليل"
عليه، وإلاّ كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته." [2] وهو بذلك"
يشير ـ أيضًا ـ إلى أنّ صور الحذف هذه لا يمكن تحديدها أو معرفتها إلاّ بوجود قرينة يستدلّ بها على مكان الحذف في الكلام، وهذه القرينة قد تكون لفظيّة، أو
حاليّة، أو عقليّة ـ وقد مرّ بيان المراد منها [3] .
ولم يقع الحذف في كلام العرب إلاّ لغايات وأغراض أرادها المتكلّم. وقد تعدّدت هذه الأغراض وتنوّعت، منها: الحذف للتخفيف، والإيجاز، والتفخيم، والتعظيم، والتحقير لشأن المحذوف، والعلم بالمحذوف، وغير ذلك [4] .
وقد التفت أبو السعود إلى هذا الأسلوب ودلالته في القرآن الكريم،
وأولاه عناية مميّزة في تفسيره؛ ذلك لأنّ القرآن الكريم من أكثر النصوص
الّتي راعت قضيّة الذكر والحذف، فما من ذكر لمفردة قرآنيّة أو جملة إلاّ اقتضى
ذلك السياق، وما من حذف فيه إلاّ وكان الحذف هو الأبلغ والأنسب والأحكم للصياغة المعجزة [5] .
وقد عوّل أبو السعود في تعيين المحذوف من الآي وإيضاحه، على القرائن
(1) دلائل الإعجاز 112، وينظر: المثل السائر 2/ 219.
(2) الخصائص 2/ 362.
(3) ينظر: الفصل الثاني من هذا البحث.
(4) ينظر: ظاهرة الحذف في الدرس اللغويّ: الدكتور طاهر سليمان حمودة 88 ـ 99.
(5) فكرة النظم بين وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: الدكتور فتحي أحمد عامر 188.