فهرس الكتاب
وممّا كان الحذف فيه دالاّ على كمال السرعة فوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.} (البقرة:60) فقد بينّ أبو السعود أنّ الجملة الفعليّة (انفجرت) معطوفة على كلام مقدّر لغرض"الدلالة على كمال سرعة تحقّق الانفجار كأنّه حصل عقيب الأمر بالضرب، أي: فضرب فانفجرت ..." [1]
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الغرض من الحذف غالبًا ما يكون في أسلوب
التحذير، وفيما يقتضي الإجابة السريعة، وهو ما نبّه عليه السيوطيّ حين ذكر أنّ التحذير هو"موضع إعجال لا يحتمل تطويل الكلام؛ لئلاّ يقع المخوف بالمخاطب قبل تمام الكلام." [2]
5 ـ الإيجاز والتوكيد:
ومن ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ.} (محمد: من الآية4) إذ قدّر أبو السعود الآية بقوله:"وأصله فاضربوا الرقاب ضربًا." [3] ثمّ قال:"فحذف الفعل وقدّم المصدر، وأنيب منابه مضافًا إلى المفعول، وفيه اختصار وتأكيد بليغ، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون منه." [4] فحذف فعل الأمر هنا ممّا أجازه النحويّون [5] ؛ ذلك"لأنّ الأمر لا يكون"
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 16.
(2) الأشباه والنظائر 1/ 198. وقد أورد الدكتور فاضل السامرّائيّ طائفة من الحالات الّتي يكون فيها
الحذف لهذا الغرض. ينظر: الجملة العربيّة 116.
(3) إرشاد العقل السليم 8/ 92.
(4) إرشاد العقل السليم 8/ 92.
(5) ينظر: معني القرآن للفراء 2/ 346، والمقتضب 3/ 175، 216، وإعراب القرآن للنحاس 4