فهرس الكتاب
إلاّ بفعل." [1] لوجود ما يدلّ عليه من السياق اللفظيّ المتقدّم، هو (إذا لقيتم الّذين كفروا) ."
ثانيًا ـ دلالة التقديم والتأخير:
للغة العربيّة ترتيب خاصّ بها في بناء الجمل، فلبناء هذه الجمل
أنماط تركيبيّة معروفة، كأن تبدأ الجملة الفعليّة على الأصل ـ مثلًا ـ بالفعل
ثمّ الفاعل ثمّ المكمّلات أو المتعلّقات، وتبدأ الجملة الاسميّة بالمبتدأ فالخبر وهكذا.
إلاّ أنّ هذا الترتيب ليس ثابتًا فيها، فقد يحدث أن تخرج الجملة عن هذا النمط
التركيبيّ؛ وذلك بأن تتبادل عناصرها المواقع فيما بينها، فيتقدّم ما حقّه التأخير، ويتأخّر ما حقّه التقديم [2] .
وقد عني النحاة والبلاغيّون بهذا الأسلوب كونه يشكّل بابًا واسعًا لم يؤت به
إلاّ لأغراض فنّيّة قوليّة ودلاليّة، للكشف عن قدرات العرب العالية في بدائع
الكلام ولطائفه، ولذا وصفه عبد القاهر الجرجانيّ بأنّه"باب كثير الفوائد،"
جمّ المحاسن، واسع التصرّف، بعيد الغاية، لا يزال يفترّ لك عن بديعه،
ويفضي بك إلى لطيفه، ولا تزال ترى شعرًا يروقك مسمعه ... فتجد سبب
أن راقك ولطف عندك أن قدّم فيه شيء، وحوّل اللفظ عن مكان إلى مكان." [3] "
وقد سلكوا فيه سبيلين [4] ، أحدهما ـ اختصّ بدلالة الألفاظ على المعاني،
وذلك بحصول التغيّر في المعنى تبعًا للتقديم والتأخير، وهو ما سمّاه
الزركشيّ [5] بالنوع البلاغيّ من التقديم، والتأخير. والآخر ـ اختصّ بدرجة
التقدّم في الذكر، وبتأخيره وتقديمه يبقى المعنى واحدًا لا يتغيّر، أو الّذي
كان التقديم والتأخير بحسب الوضع، كتقديم أسماء الاستفهام، أو الخبر شبه جملة،
وغير ذلك.
(1) المقتضب 3/ 175.
(2) علم المعاني تأصيل وتقييم 109.
(3) دلائل الإعجاز 83.
(4) المثل السائر 2/ 172، وينظر: البرهان في علوم القرآن 3/ 237.
(5) البرهان في علوم القرآن 3/ 237، وينظر: أسرار التقديم والتأخير في لغة القرآن الكريم:
محمود السيد 79 ـ 99.