فهرس الكتاب
ومن الأسرار البلاغيّة في التقديم والتأخير الاهتمام بالمقدّم، أو الفضل
والتشريف، أو التخصيص والتعظيم [1] ، وغير ذلك. وقد أشار سيبويه إلى الأوّل منها حين قال:"إنّما يقدّمون الّذي بيانه أهمّ لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعًا يهمّانهم ويعنيانهم." [2]
وقد بلغ الأسلوب القرآنيّ"الذروة في وضع الكلمات الوضع الّذي تستحقّه في التعبير، بحيث تستقرّ في مكانها المناسب، ولم يكتف القرآن الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السياق الّذي وردت فيه، بل راعى جميع المواضع الّتي وردت فيها اللفظة، ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كلّه." [3] فكان ذلك أحد البواعث
الّتي دفعت المفسّرين إلى دراسة أسلوبه وتحليله، والوقوف عند غاياته وأسراره، ومن هؤلاء أبو السعود، فقد حظي أسلوب التقديم والتأخير لديه بعناية فائقة، فجاء تفسيره زاخرًا بوقفاته الدلاليّة، وتحليله أسبابه، وقد أكثر من إيراد الأغراض الّتي كانت وراء تقديم اللفظة القرآنيّة أو تأخيرها ومن هذه الأغراض [4] :
1 ـ العناية أو الاهتمام بالمقدّم والتشويق إلى المؤخّر:
ومن أمثلة ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ.} (يوسف: من الآية 36) إذ بيّن أبو السعود الغاية من تأخير الفاعل (فتيان) عن المفعول به (السجن) ، وهي الاهتمام بالمقدّم، فقال:"وتأخير الفاعل عن المفعول لما مرّ من الاهتمام بالمقدّم، والتشويق إلى المؤخّر؛ ليتمكّن عند النفس حين وروده عليها فضل تمكّن." [5] ومن ذلك [6] قوله تعالى: أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
(1) أسرار التقديم والتأخير في لغة القرآن 79 ـ 99.
(2) الكتاب 1/ 51.
(3) التعبير القرآنيّ: الدكتور فاضل السامرّائيّ 51.
(4) ينظر: أثر البلاغة في تفسير أبي السعود: حامد عبد الهادي حسين 63 ـ 69.
(5) إرشاد العقل السليم 4/ 275.
(6) ممّا ذكره أبو السعود من هذا الغرض أيضًا: (المائدة 15) في 3/ 18، و الشرح (2) في 9 /
172، وغير ذلك.