الصفحة 295 من 371

ولأهمّيّة هذا الباب، فقد عني به العلماء، لا سيّما البلاغيّون، ووصفوه بشدّة الغموض والدقّة، يقول عبد القاهر الجرجانيّ:"واعلم أنّه ما من علوم البلاغة أنت تقول فيه إنّه خفي غامض ودقيق صعب، إلاّ وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدقّ وأصعب." [1] وهو أيضًا"ممّا لا يأتي لتمام الصواب فيه إلاّ الأعراب الخلّص والأقوام [كذا] [2] طبعوا على البلاغة، وأوتوا فنًا من المعرفة في ذوق الكلام،"

[كذا] [3] هم بها أفراد." [4] أي: إنّهم تفرّدوا في معرفتهم دقائق هذا الباب؛"

لصعوبة الإحاطة بكنهه، لدقّة الروابط المعنويّة للجمل بعضها ببعض.

ولأبي السعود تحليلات دلاليّة واضحة في هذا الباب، وتعليلات متميّزة، فما من وقفة تفسيريّة عند آية متضمّنة لهذا الأسلوب إلاّ وتناولها بعمق دلاليّ، مبيّنًا ما وراء ذلك من علل وفوائد دلاليّة بالاستعانة بالقرائن الدلاليّة من سياقيّة وغير سياقيّة، ومن ذلك ما ذكره من دواع وأسباب للفصل [5] منها:

1 ـ التنافي والتباين:

ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ... لا يُؤْمِنُونَ.} (البقرة:6) إذ قال أبو السعود: إنّه"كلام مستأنف سيق لشرح أحوال الكفرة الغواة المردة العتاة، إثر بيان أحوال أضدادهم المتّصفين بنعوت الكمال الفائزين بمباغيهم في الحال والمآل، وإنّما ترك العاطف بينهما، ولم يسلك به مسلك قوله ... تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ.} [6] لما [كذا] [7] بينهما من التنافي في الأسلوب، والتباين في الغرض." [8]

(1) دلائل الإعجاز 178.

(2) والصواب: الّدين طبعوا على البلاغة.

(3) والصواب: وهم بها.

(4) دلائل الإعجاز 170.

(5) ينظر: أثر البلاغة في تفسير أبي السعود 70 ـ 71.

(6) الانفطار 13 ـ 14.

(7) والصواب: لما بينهما من التنافي.

(8) إرشاد العقل السليم 1/ 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت