الصفحة 296 من 371

فكأنّه أراد أنّ ما دعا للفصل في الآية دون جعلها معطوفة على ما قبلها، اختلاف السياق بينهما ـ أي بين الجملتين ـ إذ إنّ الأولى، وهي: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.} (البقرة:2) سيقت لـ"بيان رفعة شأن الكتاب في باب الهداية والإرشاد، وأمّا التعرّض لأحوال المهتدين به، فإنّما هو بطريق الاستطراد سواء جعل الموصول موصولًا بما قبله، أو مفصولًا عنه، فإنّ الاستئناف مبنيّ على سؤال نشأ من الكلام المتقدّم، فهو من مستتبعاته لا محالة، وأمّا الثانية فمسوقة لبيان أحوال الكفرة أصالة، وترامي أمرهم في الغواية والضلال إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتبشير، ولا يؤثر فيهم العظة والتذكير، فهم ناكبون في تيه الغيّ والفساد عن منهاج العقول ... . ولم يؤسّس الكلام على بيان أنّ الكتاب هادٍ للأوّلين وغير مجدٍ للآخرين؛ لأنّ العنوان الأخير ليس ممّا يورثه كمالًا حتّى يتعرّض له في أثناء تعداد كمالاته." [1] فالقرآن"في الهداية بالغ درجة لا يدك كنهها حتّى كأنّه هداية محضة." [2] وليس من شأن الكتاب وصفاته أن يغوي الكفّار أو يضلّهم، بل هو كتاب هداية لمن اهتدى، وليس كتاب غواية وضلالة، وهذا ما يخصّ الآية الأولى، أمّا الثانية، فهي في معرض بيان صفات الكفّار [3] لا الكتاب؛ ولذا أدّى هذا التغاير في المعنى والسياق إلى الفصل بين الآيتين، فقطع (إنّ الّذين كفروا) عمّا قبله؛ لأنّه"كلام في شأن الّذين كفروا، وما قبله كلام في شأن القرآن." [4]

2 ـ المبالغة:

ومثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ... يَعْمَهُونَ.} (البقرة:15) إذ بيّن أبو السعود أنّ المعنى"أي يجازيهم على استهزائهم." [5] ثمّ ذكر أنّ الله يستهزىء بهم في الآية"استؤنف للإيذان بأنّهم قد بلغوا في المبالغة"

(1) إرشاد العقل السليم 1/ 35.

(2) الإيضاح في علوم البلاغة 149.

(3) الكشّاف 1/ 86.

(4) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة 155.

(5) إرشاد العقل السليم 1/ 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت