في استهزاء المؤمنين إلى غاية ظهرت شناعته عند السامعين، وتعاظم ذلك عليهم، حتّى اضطرّهم إلى أن يقولوا: ما مصير أمر هؤلاء، وما عاقبة حالهم، وفيه أنّه تعالى هو الّذي يتولّى أمرهم، ولا يحوجهم إلى المعارضة بالمثل، ويستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الّذي ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء حيث ينزل بهم من النكال، ويحلّ عليهم من الذلّ والهوان." [1] وهو قول الزمخشريّ، وقد وصفه بقوله بأنّه"استئناف في غاية الجزالة والفخامة." [2] وقد تمّ هنا فصل الآية عمّا قبلها؛ ذلك لأنّ الآية المتقدّمة عليها الّتي هي: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.} (البقرة:14) حكاية عن المنافقين، وأنّ قوله تعالى: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ ... بِهِمْ.} خبر من الله سبحانه ليبيّن لهم أنّه سيجازيهم على كفرهم واستهزائهم بالمؤمنين [3] ، بأن يستهزئ سبحانه بهم، والاستهزاء هو استدراجهم بمدّهم بالنعم الدنيويّة، فيظنّون أنّه سبحانه راضٍ عنهم، والحقيقة خلاف ذلك، فقد حتم عذابهم وسيأخذهم أشد الأخذ وأفظعه، وهذا كأنّه استهزاء بهم ومكر من الله عزّ وجلّ [4] ، ولو عطف (الله يستهزئ بهم) على الآية المتقدّمة، لخرج عن كونه خبرًا عن الله عزّ وجلّ، وصار خبرًا عنهم، فيكونوا قد شهدوا على أنفسهم أنّ الله يستهزئ بهم، وهو لم يشهدوا بذلك [5] ، فلذا وجب الفصل لاختلاف القولين، إذ إنّ القول الأوّل صادر عن البشر، والمستأنف هو قول الخالق."
ومن ذلك قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.} (سبأ:9) إذ بيّن أبو السعود أنّ هذا الآية"استئناف مسوق لتهويل ما اجترءوا عليه من تكذيب آيات الله تعالى، واستعظام ما قالوا في حقّه، وأنّه من العظائم الموجبة"
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 47.
(2) الكشّاف 1/ 105.
(3) ينظر: دلائل اإعجاز 179 ـ 182، والإيضاح في علوم البلاغة 146 ـ 147، وشروح
التلخيص 3/ 13 ـ 14، ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز 167.
(4) الجامع لأحكام القرآن 1/ 146.
(5) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز 167.