الصفحة 298 من 371

لنزول أشدّ العذاب، وحلول أفظع العذاب من غير ريث وتأخير." [1] فالاستئناف هنا أفاد المبالغة فيما رآه أبو السعود، والّذي يبدو أنّ الاستفهام دلّ على هذا المعنى أكثر من دلالة الاستئناف، ولم يشر أبو السعود إلى ما له من أثر واضح في بيان هذا المعنى وإظهاره بشكل جليّ، وقد تبيّن من سياق الآية أنّ الله تعالى أراد تذكيرهم قدرته وعظمته في خلق السماوات والأرض وتنذيرهم، وأنّه مثلما خلقها وخلقهم فهو قادر على إزالتها وإيّاهم، بتوجيه تساؤل لزجر الجاحدين للبعث بعد الممات، وردعهم عن جهلهم في تكذيبهم الرسول [2] (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله تعالى على لسانهم: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ ... الْبَعِيدِ.} (سبأ:8) ."

3 ـ التعليل والتأكيد:

ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.} (المائدة:51) إذ ذكر أبو السعود أنّ (بعضهم أولياء بعض) "جملة مستأنفة مسوقة للتعليل النهي وتأكيد إيجاب الاجتناب عن المنهيّ عنه، أي: بعضهم أولياء بعض متّفقون على كلمة واحدة في كلّ ما يأتون وما يذرون، ومن ضرورته إجماع الكلّ على مضادّتكم ومضارّتكم، بحيث يسومونكم السوء ويبغونكم الغوائل، فكيف يتصوّر بينكم وبينهم موالاة." [3] فكأنّه قيل: لِمَ لا نتّخذهم أولياء؟ فأجيب ذلك بقوله تعالى: {بعضهم أولياء بعض} تعليلًا لذلك النهي وبينًا، أمّا قوله:"تأكيد إيجاب الاجتناب."فأراد أنّه لتأكيد وجوب تجنّبهم اتّخاذ اليهود أولياء، وهو دلالة ثانية في هذه الآية، وقد أوحى بهذا الوجوب فعل الأمر: (لا تتّخذوا) .

(1) إرشاد العقل السليم 7/ 123.

(2) جامع البيان 22/ 64.

(3) إرشاد العقل السليم 3/ 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت