الصفحة 299 من 371

4 ـ بيان الكيفيّة:

ومن أمثلته قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.} (ص:74) فقد ذهب أبو السعود إلى أنّ (استكبر) محمولة على أمرين [1] تبعًا لأسلوب الاستثناء في الآية:

أحدهما ـ إذا كان الاستثناء متّصلًا، أي إنّ (إبليس) من جنس الملائكة،

سيكون (استكبر) "استئناف مبيّن لكيفيّة ترك السجود."وعلى هذا احتمل

أبو السعود أنّ المعنى بترك العطف"يكون للتأمّل والتروّي، وبه يتحقّق أنّه للإباء والاستكبار."

والآخر ـ إذا كان الاستثناء منقطعًا، أي إنّ (إبليس) من الجنّ"يجوز اتّصاله"

بما قبله، أي: لكنّ إبليس استكبر."أي: إنّ (استكبر) هنا موصولة بما قبلها"

على العطف.

ومنه أيضًا قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا.} (النساء:95) إذ ذكر أبو السعود أنّ الآية"استئناف مسوق لتفضيل ما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم استوائهما إجمالًا ببيان كيفيّته وكمّيّته، مبنيّ على سؤال ينساق إليه المقال، كأنّه قيل: كيف وقع ذلك، فقيل: فضل الله." [2]

فلمّا أخبر الله سبحانه أنّ المجاهدين والقاعدين لا يستويان، فلا بدّ من أن يتبادر إلى الذهن تساؤلات حول كيفيّة عدم الاستواء بينهما؛ لأنّ ذلك ممّا يحتمل الزيادة أو النقصان، فبيّن ـ عزّ وجلّ ـ بالآية (فضّلَ اللهُ المجاهِدين ... ) مقدار هذا التفضيل وكيفيّته [3] .

(1) إرشاد العقل السليم 7/ 236.

(2) إرشاد العقل السليم 2/ 220.

(3) التفسير الكبير 11/ 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت