الصفحة 300 من 371

فهذه الجملة جاءت بيانًا وتوضيحًا للجملة الأولى، كجواب لسؤال

مقدّر [1] . وبمثل ذلك قال القرطبيّ [2] ، والآلوسيّ [3] من المتأخّرين

وقد تعرّض أبو السعود ـ كذلك ـ إلى الوصل بين الجمل في الآي القرآنيّ،

مبيّنًا ما وراءه من علل وفوائد، فمن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ. لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ. سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ.} ... (يّس: 55 ـ 59) فقد احتمل أبو السعود احتمالين في عطف الجملة الفعليّة ... (وامتازوا اليوم) :

أحدهما ـ أنّها معطوفة على الجملة الاسميّة السابقة لها، فيكون العطف هنا عطف جملة فعليّة على اسميّة، إذ أخّ‍ر السياق عن مآل أهل الجنّة وحسن أحوالهم، ثمّ انتقل إلى الحديث عن مآل أهل النار وسوء حالهم، معلّلًا هذا التغاير في السبك بين الجملتين المتعاطفتين بـ"تخييل كمال التباين بين الفريقين وحاليهما." [4] أي إنّ المسوّغ للوصل هنا ما سمّاه البلاغيّون بـ (كمال الانقطاع مع الإيهام) ، وهو أحد مواضع الوصل، ومفاده"أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع مع الإيهام، وذلك"

بأن تكون إحداهما خبريّة، والأخرى إنشائيّة، ولو فُصِلت لأوهم الفصل خلاف المقصود." [5] لفظًا ومعنى، ويمتنع الفصل بينهما؛ لأنّه يوهم خلاف المعنى المراد [6] ."

والأخر ـ أنّها معطوفة على جملة فعليّة مضمرة متعلّقة بحال أهل الجنّة،

أي كأنّه قيل بعد بيان كونهم في شغل عظيم المنزلة، وبيان فوزهم بنعيم

(1) البحر المحيط 4/ 37.

(2) الجامع لأحكام القرآن 5/ 221.

(3) روح المعاني 4/ 179.

(4) إرشاد العقل السليم 7/ 174.

(5) إرشاد العقل السليم 7/ 174.

(6) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة 139، وشرح التلخيص 3/ 67 ـ 69، البلاغة العربيّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت